نحن نعيش في مجتمع يتوق إلى النجاح لدرجة أنَّ النجاح، بأشكاله المختلفة، أصبح كمَن يمسك بالشمس تراها قريبة منك ولكن مستحيل أن تمسكها بيدك. ويبدو أنَّ النجاح الوحيد الَّذِي يمكن أن يُحقّقه المرء وقد يكون في متناول اليد، هو النجاح في المجال المهني أو الشخصي أو التجاري… على العكس من ذلك، فإنَّ هذا النجاح بالرغم من بساطته فإن عدم بلوغه، أو حتّى عدم الاعتراف الاجتماعي به، يصبح مأساةً شخصية، يُمثّل بؤس الإنسان الحديث، هذا هو السبب في أنَّ كتبَ وبرامج التنمية الذاتية تتطابق دائمًا وتقريبًا في الشيء نفسه، تحقيق النجاح -شخصيًا أو مهنيًا أو تجاريًا- كما لو كان هذا هو المعنى النهائي للنجاح وغير القابل للجدل.

كما هو الحال في الحياة، بغضّ النظر عن مدى صعوبة المحاولة، نادرًا ما تكون الأشياء سوداء أو بيضاء، وقد ولد الكثير من القيل والقال حول النجاح مفاهيم مُتعدّدة حوله فهناك من اختار، رسم النجاح بعيد المنال بهالة رومانسية، الَّتِي يُمكن أن تُسمى أخلاقيات – وجماليات.

ومع ذلك، يجب أن ندرك أنه انطلاقًا من حياة الفرد الشخصية إلى الأنشطة التجاريّة، مرورًا بالسياسة، فإنّ الهدف الوحيد المُتوخى في مجتمعنا هو النجاح كما يقول المثال الشعبي أن للنصر ألف والد والهزيمة يتيمة.

إذا افترضنا، إذن، أنَّنا تعلمنا جميعًا النجاح فسيكون من الممكن مع ذلك استكشاف مسار الفائز من منظور معاكس، أي عدم التركيز كثيرًا على ما يجب فعله للوصول إلى القمة ولكن على ما لا ينبغي القيام به للبقاء في القاع، لأنّه بنفس الطريقة الَّتِي يعلمنا بها فشل معين أكثر من مئة نجاح، فإنَّ فحص الأخطاء الاستراتيجية هو أفضل بوصلة لرحلة النجاح، هذا التفكير هو ما أنا بصدد القيام به، وتطبيقه على المشهد السياسيّ الحالي وعلى الأحزاب المُشكّلة للحكومة وقادة الساحة بالمغرب.

يأتي أحد أكثر الاقتباسات تكرارًا في العلوم الاجتماعيّة من كتاب أليس للويس كارول، وتحديدًا من المقطع الَّذِي يُؤكّد فيه أحد الشخصيات أنَّ الكلمات تعني ما يراد منها في العمق، ويتم اختزال كلمات الساسة وخطبهم إلى شيء بسيط للغاية، من هو المسؤول هنا مَن يحكم؟ ومن يمتلك أيضًا المعلومة؟

ومع ذلك، على المدى الطويل، تميل المعادلة أيضًا إلى أن تصاغ في الاتجاه المعاكس من يستطيع فرض أيديولوجيته؟  بعبارات أكثر تفصيلًا، هذا هو مفهوم غرامشي للهيمنة.

وفي هذا السياق، ميّز علم الاجتماع الماركسي (هابرماس، بورديو، تشومسكي) بين الهيمنة الثقافيّة والسيطرة الواقعيّة الكلاسيكيّة، خاصة إذا نُفّذ الأخيرة من خلال الإكراه المفتوح.

وبالتالي، لإعطاء مثال نموذجي، يمكن فرض ديكتاتورية عسكريّة بقوّة السلاح ولكن سيكون لها أقدام من الطين؛ لأنَّها لا تحظى بموافقة المواطنين من بين هؤلاء، على العكس من ذلك، ستنشأ مقاومة -بداية أيديولوجية- تنتهي بتقويض نسيج السلطة القمعية.

من الواضح أنَّ ما سبق هو تبسيط يتطلّب مؤهلاتٍ مُتعدّدةً مستحيلة في مادة واحدة. ومع ذلك، بتطبيقه على الحالة المغربيّة، وهو ما يهمنا هنا، يمكن استخلاص بعض الاعتبارات المثيرة للاهتمام. إن عدم شرعية حكومة العثماني تتجلّى في الديمقراطية مثل ظلّ طويل على كامل الحق السياسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ، الَّذِي لم يعرف كيف يتخلّص من نيّر الوريث المخزي لرياح الربيع الديمقراطي في المغرب ما يقرب العشر سنوات.

كان التكتيك المهيمن للحزب الحاكم، لا سيَّما في الآونة الأخيرة من عهد عبد الإله بنكيران، يتألف أساسًا من توجيه أصابع الاتّهام للمعارضين بالتنكر للقضايا الوطنيّة الرئيسيّة، وتفاخر رئيس الحكومة المنتهية صلاحيته، بإزاحته للمعارضة اليساريّة بكونه أكثر جذرية من حزب الاتحاد الاشتراكيّ أو حزب الاشتراكي المُوحّد. فيما يتعلّق بالجوانب الثقافية والإعلام، من الأفضل عدم التحدّث، لأنَّ الاتجاه كان، على الرغم من أنَّه قد يبدو غير معقول أو انتحاري، لرعاية وجهة نظر معاكسة لما رفعته المملكة من شعارات وضمنتها في الدستور.

نتيجة لذلك، حكم اليسار المغرب لمدة طويلة، ليس بناءً على مزاياه الخاصة بقدر ما هو على عيوب الآخرين لكنّه لم ينجح أبدًا، بل إنّه لم يحاول حتّى فرض هيمنة أيديولوجيّة وثقافيّة فقط في هذا السياق يمكن فهم النجاح الساحق لـحزب البيجيدي.

إنَّها المرّة الأولى التي يُهدّد فيها حزب المسار الديمقراطي بالمغرب، حتّى أنَّه تبنى الأيديولوجية (النفاقورية) دون عقد.

لقد جادلت منذ فترة طويلة، بأنّ بنكيران قد تمّ التقليل من شأنه كسياسي لا أقول كزعيم لحزب العدالة، ناهيك عنه كرجل دولة، ولكن ببساطة، على الرغم من أنّه ليس بالقليل، كسياسيّ ميكافيليّ نجح في إنعاش حزبه ووضعه على أعتاب نجاح لا يمكن تصوره في عهد من سبقوه، الأمين العام السابق لحزب البيجيدي هو الرجل القادر على قلب أوراق الانتخابات المقبلة، سيقول الأصوليّون إنَّ هذا أمر مستهجنٌ أخلاقيًّا. دعونا نتخلّص من هذه التفاهات، كما قلت في البداية، يمكن للفشل أن يكون رومانسيًا للغاية، لكن لا أحد يريده إذا كان لديه خيار.

دعونا نعود إلى الشروط التي بدأ بها هذا التفكير، بنكيران يمكن أن يقول شيئًا واحدًا ونقيضه دون أدنى خجل، ليس فقط لأنه يتمتع بالسلطة، ولكن لأنّ حزبه يتمتّع بهيمنة أيديولوجية وتنظيم قوي بأسره وعلى وجه الخصوص في أكثر مجالاته حسمًا، النقابات العماليّة والجامعات والطلاب والأوساط الثقافية وصناع الرأي والإعلام وما إلى ذلك. كل ما أهمله خصومه. الآن، كما هو الحال دائمًا، سيرغبون في استعادة كل ما لم يفعلوه من قبل في حملة انتخابية.

يتبع..

أنوار المجاهد