فهل يبقى التحفيظ العقاريّ هُوَ الوسيلة القانونيَّة الحقيقيَّة لحماية الوعاء العقاري، وجعله جاهزًا للاستثمار الآمن، أم لا؟

إن كان التحفيظ العقاري يضمن لصاحب الملك حقّه في عقار معين، فهو بذلك يُرسّخ الأمن العقاريّ عن طريق مؤسَّسة التعرّض، أيْ تلك الوسيلة، الَّتِي خوّلها القانون للشخص الَّذِي يدعي المنازعة الجديّة لطالب التحفيظ فيما يرمي إليه في مطلبه من تسجيل الحقوق لعقار مُعيّن في اسمه الخاص وإحداث رسمٍ عقاريٍّ.

فالمُشرّعُ المغربيُّ، أقرّ بأنَّه يحقّ لكلّ شخصٍ يدّعي حقًّا على عقار موضوع مسطرة التحفيظ، أن يتدخّل أثناء سير هذه الأخيرة عن طريق تقنية التعرّض لحماية حقّه، إلا أنَّ هَذَا التدخّل ليس مفتوحًا في أيّ وقتٍ شاء المتعرض، وإنَّما له نظامٌ قانونيٌّ خاصٌّ يُحدّد كيفية ممارسة هَذَا الحقّ.

فما أهمُّ المستجدات الَّتِي جاء بها قانون رقم (14.07) على مستوى مسطرة التعرّضات وكيف يمكن لصاحب الحقّ حماية هَذَا الحقّ، حتى وإن كان خارج الأجل القانوني؟ وهل استطاع المُشرّع تحقيق طموحات مُختلف الفاعلين والمُتدخّلين في المجال العقاري؟ وإلى أيّ حدٍ استطاعت المقتضيات القانونيَّة على تحقيق التوازن المطلوب بين المصالح المتعارضة لكلّ من طالب التحفيظ والمُتعرّض؟ وما مدى فعالية التدخّل القضائي على مستوى هذه التعرّضات؟

  لقد منح المُشرّعُ المغربيُّ لكلّ شخصٍ يُمكن أن تمسَ مسطرةُ التحفيظ حقوقَه، أن يتدخل فيها عن طريق التعرّض في حالة ما إذا ظن أنَّ إجراء المسطرة المذكورة يضرّ به، وذلك لدحض قرينة ملكيّة طالب التحفيظ. فالتعرّضُ يعد ميزةً من مميزات نظام التحفيظ العقاريّ ووسيلة لتطبيق مبدأ التطهير المسبق للحقوق المُزمعُ تحفيظُها أو تسجيلُها.

حيث تهدف إلى توقيف إجراءات التحفيظ من طرف المحافظ، إلى أن يرفع التعرّض وذلك بوضع حدٍّ للنزاع عن طريق المحكمة أو بإبرام الصلح بين الأطراف.

باستقرائنا لمقتضيات الفصل 24 من القانون (14.07) نجد: «أنّه يُمكن لكلّ شخصٍ يدّعي على عقار تمّ طلب تحفيظه أن يتدخّل عن طريق التعرّض في مسطرة التحفيظ خلال أجل شهرين يبتدئ من يوم نشر الإعلان عن انتهاء التحديد في الجريدة الرسمية، إن لم يكن قام بذلك من قبل وذلك:

  • في حالة المنازعة في وجود حقّ الملكية لطالب التحفيظ أو في مدى هَذَا الحقّ أو بشأن حدود العقار.
  • في حالة الادّعاء باستحقاق حقٍّ عينيٍ قابل للتقييد بالرسم العقاري الَّذِي سيقع تأسيسه.
  • في حالة المنازعة في حقّ وقع الإعلان عنه طبقًا للفصل 84 من هَذَا القانون.

إن كان المُتعرض ملزمًا بتقديم تعرّضه فقط أمام المحافظة العقاريَّة أو أمام المهندس الطبوغرافي عند خروجه إلى عين المكان لتحديد الملك موضوع التحفيظ، فإنَّ هَذَا التعرّض له آجال حددها المُشرّعُ ابتداءً من تاريخ نشر الإعلان إلى انتهاء التاريخ المُؤقّت المنشور بالجريدة الرسميَّة، حتَّى يضمن الأولوية وتراتبية التسجيل إن كانت حججُ ووثائقُ الغير أكثر حجيَّةً من طالب التحفيظ، فالمحافظة العقارية طبقًا لمقتضيات الفصل (84) تضمن رتبة التسجيل وتجعل حقوقه صالحة للمواجهة.

ومن مساطر التحفيظ الخاصّة، نجد العقارات الَّتِي خضعت للتحديد الإداريّ، كمسطرة تحديد الأراضي السلالية. فكيف يُمكن أن يتمَّ التعرض بعد انصرام الأجل المحدد، إذا كان مالك الحق خارج المغرب أو بمكان غير الَّذِي يُوجد فيه العقار؟ وهل يمكن له أن يثبت حقَّه بعد هَذَا الأجل؟

ينصّ الفصل 29 من ظهير التحفيظ العقاريّ، على أنّه بعد انصرام الأجل المُحدّد، يُمكن أن يقبل بصفةٍ استثنائيَّةٍ من طرف المحافظ على الأملاك العقارية، ولو لم يرد على مطلب التحفيظ أيّ تعرض سابق، شريطة ألا يكونَ قد وجَّه الملف إلى المحكمة، وشريطة أن يُدلي المتعرض بالوثائق المبينة للأسباب الَّتِي منعته من تقديم تعرّضه داخل الأجل وبالعقود والوثائق المدعمة لتعرضه، مما يبقى التساؤل حول أهمية دور المحافظ بالنسبة للقضاء. وهل هناك ندية الأدوار بين المحافظ وقاضي العقار أم أنَّ لكل منهما دورَه الأساسيَّ وهدفه من عمله إحقاق الأمن القانوني؟ …. يتبع