بلغت الجرائم والأحداث أوجّ ذروتها في الآونة الأخيرة، ممَّا يُنبئ بحلول زلزال داخل منظومة الأخلاق والقيم، الَّتِي نشأت عليها أجيالٌ من المجتمع المغربيّ، الرافض بطبعه جميعَ الظواهر الدخيلة، والمتعلق بالأصيل من هذه المنظومة القابلة لكلّ حديث منها لا يكسر هذا الأصيل.

الجرائم البشعةُ المرتكبةُ في الظرفية الأخيرة، تُظهر حجم الانفلات الأخلاقي، الَّذِي يتخبّط فيه مجتمعٌ مُحافظٌ، وتُوضّح خللًا من شأنه أن يتزايد، إن لم يُكشف عن مكامن هذا الانفلات والمبادرة إلى علاجه بشتّى الطرق والوسائل.

حدّة انتشار الأحداث الشاذة وسط المجتمع المغربيّ ترجع إلى عوامل مُتفرّقة، ترجع أحيانًا إلى الظفرة الإعلاميّة وسهولة نشر الخبر والوقائع بكلّ تفاصيلها، وهذا بدوره يمكن أن يرفع من نسبة هذه الجرائم، كما يُمكن أن يكونَ سببًا في انخفاض مُعدّل الجرائم البشعة، بعد الردود القوية من المجتمع، الَّتِي تُؤثّر نسبيًا في مُرتكبي هذه الأفعال، أضف إلى هذا وجود عامل أساس هو مصدر تلقّي القيم الأخلاقيّة داخل المجتمع، سواء من خلال المؤسَّسات العموميّة كالمدرسة والمسجد والمؤسّسات الثقافيَّة وفضاءات المجتمع المدنيّ أو داخل الأسرة، علمًا أنَّ أيَّ فردٍ من أفراد المجتمع يتأثّر تأثّرًا بمحيطه الَّذِي ينتمي إليه.

عوامل متعددة أدَّت إلى الفوضى الأخلاقيّة، الَّتِي يرجع بعضٌ منها لرواسب تعود إلى مُعتقدات وعادات وتقاليد يرعاها المجتمع، ويترك لها مجالًا واسعًا في بناء شخصية الفرد، الَّتِي لها الكثير من التأثير في سلوكيات ارتفعت بشكل مهولٍ في الظرفيّة الأخيرة، بحيث لا يُمكن الحديث عن ظاهرة بعينها، بل مجموعة من الظواهر السلبيّة، الَّتِي تنخر في الجسم الأخلاقي وتفتك بالسلم الاجتماعي الَّذِي يُؤدّي ثمن هذا الانفلات.

وقد ربط بعض الخبراء هذا السياق بالوضع العامّ، الَّذِي تعيشه معظمُ دول العالم من اضطراباتٍ وحروبٍ وأوبئةٍ، كان آخرها الوباء المستجد “كوفيد 19” الَّذِي أحدث ضررًا كبيرًا في مجتمعات العالم، بما في ذلك المملكة المغربيَّة، الَّتِي لجأت بدورها إلى فرض مجموعةٍ من القرارات تندرج في إطار مكافحة الوباء وصدّه، وقد كان من بين هذه القرارات فرض حجرٍ منزليٍّ لمدّة فاقت الثلاثة أشهر، وفرض حالة طوارئ صحيّة، أثَّرت في أفراد من المجتمع، ما أدَّى إلى الوقوع في اختلال أخلاقي، بحسب هذه الآراء الَّتِي ربطت الظواهر بالأزمات النفسيّة الناتجة عن التحوّل الجديد في جميع المجالات.

تحوّل من شأنه أن يُساعدَ في إعادة النظر في العديد من النظم والقيم، الَّتِي يتبناها المجتمع ويسير على منوالها ويسهر على حفظها وتنظيمها مجموعةٌ من المؤسَّسات المطالبة اليوم بتحقيق الأمن الأخلاقي وسط المجتمع، والبحث بكلّ الوسائل والإمكانيات على تشكيل قطيعة مع كلّ الظواهر الشاذة، الَّتِي تهدم خصوصية الفكر المغربيّ المبني في الأساس على دعائمَ وركائزَ تصبح مُهدّدة إذا ما تطوّرت هذه السلوكيات وأصبحت هي المُحرّك الرئيس للمجتمع.

القضاء على الأنماط السلبية لا يتمُّ إلا بالتنسيق التامّ بين مؤسَّسة الأسرة -النواة الأصل في التركيبة الاجتماعيّة- وباقي المؤسَّسات الفاعلة في هذا التكوين والبناء الأخلاقي. وإنَّ أيَّ خللٍ في إحدى هذه الدعائم يُؤدّي -ولا شكّ- إلى الانفلات والتشوّه الأخلاقي للمجتمع. ولله الأمر من قبل ومن بعد.