كان العلّامة عبد الله كنون، عالمًا مُكثرًا غزير الإنتاج، ولحسن الحظّ فقد طبعت معظم كتبه، ولكن هذه الكتب تظلّ أمرًا يسيرًا بالقياس إلى مجموع إنتاجه.

ومن جهة أخرى يُمثّل عبد الله كنون تيارًا فكريًا أصيلًا أدى أدوارًا مهمّةً في مرحلة عسيرة من التاريخ العربي الإسلامي، هو التيار الإصلاحي النهضوي الذي قدر له مُواجهة الاستعمار الفكري والثقافي والدفاع عن الهوية العربيّة الإسلاميّة.

وشكّل هذا التيار مدرسةً قائمة الذات والصفات، وجدت لها مدافعين ومنافحين في العالم بأسره، في هذه المرحلة المضطربة من تاريخه، هي مدرسة الأصالة بقدر ما هي مدرسة التجديد، وهي تنحاز للتراث بقدر ما تنفتح على مكتسبات الحداثة، وهي مدرسة تُقدّر عظمة الأسلاف وجهودهم الجبَّارة، وفي نفس الوقت لا تحتقر مجهودات الخلف.

وتأصلت أنصار هذه المدرسة على جبهات ثلاث: مكافحة المستعمر، والحفاظ على اللغة، وتجديد الفكر الإسلامي، كل ذلك في مواجهة عدو شرس وخصم عنيد، أمّا العدو فهو المستعمر الغشوم بلا جدال، وأمّا الخصم فهو تيار التغريب الذي حمّل الدين الإسلامي الحنيف واللغة العربية والتراث العربي الإسلامي مسؤولية التخلّف والتدهور والتراجع التاريخي، وتُعدُّ هذه المعركة امتدادًا للمعركة الحامية التي نشبت فيما مرّ بين التيار الإصلاحي السلفي في مواجهة التيار الليبرالي العلماني.

ومن أعلام المدرسة الإصلاحية في المشرق جيل النهضة، الأفغاني، وعبده، والكوكبي، والجيل الثاني مع محمود شاكر، وأحمد شاكر، عبد الله الدراز ومالك بن نبي وغيرهم، ومن أعلام التيار الليبرالي، سلامة موسى ولطفي السيد، ويعقوب صروف، وطه حسين.

وفي المغرب الأقصى نبغت أسماء من قبيل: علال الفاسي، والمختار السوسي، وعبد الله كنون التي تفتحنا كتاباته المختلفة والمتنوعة خاصة في مجال الفكر على هموم مرحلة تاريخية حرجة جدًّا من تاريخ المغرب، هي مرحلة مكافحة الاستعمار، وبناء الذات، والبحث عن الهُوية، وترميم الدائرة، والأهم من ذلك وصل الحاضر بالماضي، عبر التعريف برموز الفكر والإبداع، وبمجهود القدماء وبعظمة الآباء.

وعمومًا فإنّ دراسة التراث الفكري للعلَّامة عبد الله كنون لا تفتحنا على فكر الرجل ومشروعه الإصلاحي فقط.

بل هي الطريق الملكي لدراسة الفكر المغربي على أعتاب الأزمنة الحديثة، وهو يواجه رياح الحداثة التي لا تبقي ولا تذر.

بقلم عمر الحجي