بقلم : الباحثة في سلك الدكتوراه الأستاذة سناء الزباخ

 

تصدَّرت الأعمال الاجتماعيَّة وتلاحم المغاربة فيما بينهم بزمن الكورونا، وعلت في الأفق بوادرُ الانفراجات الأخلاقيَّة والإنسانيَّة في مجتمع لطالما نُعت بالفاسد والمستهتر و….  تمَّ تصنيع الكمامات وأجهزة للتعقيم بواسطة مبادرات فرديَّة لشباب المجتمع بطرق بدائيَّة ودون مساعدة أحد، فكشف الواقع أنَّ المجتمع المدني المغربي يتسمُ بالوحدة والترابط والتعاون ولا ينقصه شيءٌ ليصيرَ في صدارة المُجتمعات إلا الإمكانيات الماديَّة والدعم المعنويّ، ليس إلا وهذا ما يتحتم على السلطات بمختلف شرائحها العمل على تحقيقه، فهل عملت السلطات على تجسيد التعاون والتشارك في زمن كورونا؟ وكيف ساهم مُختلف الفاعلين بالمجتمع والسلطة البرلمانيَّة والقضائيَّة في اللحمة الوطنية للخروج من آفة الوباء؟ وهل الوباء عرى عن تباين الفعل والقول لسياسة الدولة؟ وإلى أيّ اتّجاه يسير المواطن والسياسة المغربيَّة؟ هل ستنتصر قوّة الحقّ أم قانون القوّة؟ 

باستقرائنا لمقتضيات الفصل الأوَّل من الدستور 2011 الذي ينص على: “أن نظام الحكم بالمغرب نظامٌ ملكيَّةٌ دستوريَّةٌ، ديمقراطيَّةٌ برلمانيَّةٌ واجتماعيَّةٌ. يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلطات، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركيَّة، وعلى مبادئ الحكامة الجيّدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

تستندُ الأمة في حياتها العامّة على ثوابت جامعة، تتمثلُ في الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنيَّة متعدّدة الروافد، والملكيَّة الدستوريَّة، والاختيار الديمقراطي…. إلى آخره، فإن الدستور أنزلت بنوده على بينة من قوّة الرأسمال اللامادي الذي تجسَّد في التكافل الاجتماعي البدائي وتضافر الجهود المبذولة من طرف العاملين بالقطاع الصحيّ والسلطات العموميَّة، بيد أنَّ البرلمانيَّين والمُشرّعين لم يتوانوا عن المساهمة والمشاركة في هذا التكافل، حيث استصدروا قانونَ الطوارئ الصحيَّة عبر مرسوم 2.20.292 و2.20.293 يهدف إلى حماية حياة الأشخاص وسلامتهم من أيّ تهديد من جرَّاء انتشار أمراضٍ مُعديَّة أو وبائيَّة وعملت الحكومة خلال فترة إعلان الطوارئ على اتّخاذ جميع التدابير اللازمة التي تقتضيها هذه الحالة على الرغم من جميع الأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، لكنها نسيت أنَّ الأمراض المعدية يمكن أن تكون عن طريق موادّ استهلاكيَّة أو منتوجات غذائيَّة وعملت على سنّ مشروع قانون 22.20 بتاريخ 19 مارس 2020 المُتعلّق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البثّ المفتوح والشبكات المماثلة، حيث نصّت المادة 14 منه على أنَّه يُعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات وغرامة من 5000 إلى 50000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، من قام عمدًا عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو عبر شبكات البثّ المفتوح وعبر الشبكات المماثلة بالدعوة إلى مقاطعة لبعض المنتوجات أو البضائع أو الخدمات أو القيام بالتحريض علانية على ذلك، وما بعده من موادّ التي تُجرّم نشر الأخبار الزائفة ليبقى الشارع الوطني يتساءل حول ماهية هذا التجريم وكيفية تحديد الجرم ومن له السلطة التقديريَّة في تحديد أسماء الموادّ والشركات التي تضرَّرت سالفًا أو ستتضرّر مُستقبلًا من المنتوج المقاطع؟ أم سيتم تحديد المنتوجات بنصّ شرعيّ واضح أم سيبقى الأمر تحت سلطة الشرطة القضائيَّة؟

إن كان المجلس الاقتصاديّ والاجتماعيّ والبيئيّ في تقريره لسنة 2018 والمرفوع لصاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله- في معرض تحليله لنموذج حركة مقاطعة بعض المنتوجات سنة 2018، عمد إلى تسطير عدّة ملاحظات، من بينها ضرورة تحديث الإطار القانوني الخاص بتدبير الاحتجاجات بما يمكن وملاءمته مع التحوّلات المجتمعيَّة والتكنولوجيَّة الجاريَّة الذي يستوجب الحرص على صون حرّيات التعبير والتظاهر السلمي التي يُكرّسها الدستور بمقتضى الفصل 152 الذي ينصّ بالحرف على أنَّه للحكومة ولمجلس النواب ولمجلس المستشارين أن يستشيروا المجلس الاقتصاديّ والاجتماعيّ والبيئيّ في جميع القضايا، التي لها طابعٌ اقتصاديٌّ واجتماعيٌّ وبيئيٌّ ناهيك عن حق المستهلك في ضمان حمايته في كلّ ما يتعلَّق بالشروط التعسفيَّة والشروط المُتعلّقة بالخِدْمات الماليَّة والقروض الاستهلاكيَّة و…. وتحديد الضمانات القانونيَّة والتعاقديَّة لعيوب الشيء المبيع والخدمة بعد البيع وتحديد الشروط والإجراءات المتعلقة…. حسب المادة الأولى من قانون 31.08 فكيف يمكن للقاضي الحكم وَفْق قوانين متباينة ومُختلفة وأين يُمكن أن تتجسّد سلطته التقديريَّة في غضون تخمة القوانين والتشريعات؟ هل القوانين تسنّ خدمة للأمن القانوني والقضائي والاجتماعي والغذائي أم لخدمة قانون القوّة؟ وهل يمكن اعتبار أنَّ المُشرّع وجد لخدمة مصالح الأفراد أم المجتمع؟ فهل الوقت الحالي يبرهن على الثمن الذي سيدفعه ودفعه المواطن بإعطاء صوته لممثله داخل مجلس الشعب والبرلمان؟ أم هو تجسيد للعبثية في استصدار قوانين تهدف لزعزعة الأمن القانوني؟

ليبقى الشارع الوطني يتساءل حول ماهية هذا التجريم وكيفية تحديد الجُرم، ومن له السلطة التقديرية في تحديد أسماء الموادّ والشركات التي تضرَّرت سالفًا أو ستتضرّر مُستقبلًا من المنتوج المقاطع؟ أم ستُحدّد المنتوجات بنصٍ شرعيٍّ واضح أم سيبقى الأمر تحت سلطة الشرطة القضائيَّة؟

إن كان المجلس الاقتصاديّ والاجتماعيّ والبيئي في تقريره لسنة 2018، والمرفوع لصاحب الجلالة الملك محمَّد السادس -نصره الله- في معرض تحليله لنموذج حركة مقاطعة بعض المنتوجات سنة 2018، عمد إلى تسطير عدّة مُلاحظات من بينها ضرورة تحديث الإطار القانونيّ الخاصّ بتدبير الاحتجاجات، بما يمكن وملاءمته مع التحوّلات المجتمعيَّة والتكنولوجيَّة الجاريَّة، الذي يستوجّب الحرص على صون حرّيات التعبير والتظاهر السلميّ التي يُكرّسها الدستور بمُقتضى الفصل 152 الذي ينصّ بالحرف على أنَّ: “للحكومة ولمجلس النوَّاب ولمجلس المستشارين أن يستشيروا المجلس الاقتصاديّ والاجتماعيّ والبيئيّ في جميع القضايا، التي لها طابعٌ اقتصاديٌّ واجتماعيٌّ وبيئيٌّ ناهيك عن حقّ المستهلك في ضمان حمايته في كلّ ما يتعلَّق بالشروط التعسفيَّة والشروط المُتعلّقة بالخِدْمات الماليَّة والقروض الاستهلاكيَّة و…. وتحديد الضمانات القانونيَّة والتعاقديَّة لعيوب الشيء المبيع والخدمة بعد البيع وتحديد الشروط والإجراءات المتعلقة…. وحسب مقتضيات المادة الأولى من قانون 31.08، الذي يهدف إلى ضمان حماية المستهلك، فكيف يُمكن للقاضي الحكم وَفْق قوانين مُتباينة ومُختلفة وأين يمكن أن تتجسد سلطته التقديريَّة في غضون تخمة القوانين والتشريعات؟ هل القوانين تسنّ خدمةً للأمن القانونيّ والقضائيّ والاجتماعيّ والغذائيّ أم لخدمة قانون القوّة؟ وهل يمكن اعتبار أنَّ المُشرّع وجد لخدمة مصالح الأفراد لا المجتمع؟ وهل يُعدُّ الوقت الحالي برهانًا على الثمن الذي سيدفعه ودفعه المواطن بإعطاء صوته لممثله داخل مجلس الشعب والبرلمان؟ أم هو تجسيد للعبثية في استصدار قوانين تهدف لزعزعة الأمن القانوني؟

تأخير أو تأجيل أشغال صياغة مشروع القانون بعد الجدل الذي خلقه الفاعلون وروّاد التواصل الاجتماعي، اعتبارًا لحالة الطوارئ الصحية إلى حين انتهاء هذه الفترة، لإجراء المشاورات اللازمة مع كلّ الهيئات المعنية، حتَّى تكون الصياغة النهائية لهذا المشروع مستوفيةً للمبادئ الدستوريَّة ذات الصلة ومُعزّزة للمكاسب الحقوقيَّة، لا يعني أنَّ القانون سيتم إلغاؤه أو تغيير بنوده إلا إذا قامت المؤسّسات المخولة لها الدفاع عن المستهلك، وكذا ممثلو الشعب الحقيقيون بدورهم المنوط بهم، ألا وهو الدفاع عن المواطن بصفته القوّة الضاغطة المساندة لمصلحة الجميع دون استثناء لضمان حماية المستهلك لعيوب الشيء المبيع والخدمة وتحديد الضمانات القانونيَّة للخِدْمات بعد البيع وتحديد الشروط والإجراءات المُتعلّقة بالتعويض عن الضرر أو الأذى الذي قد يلحق بالمستهلك.

فان لم يكن للمواطن الحقّ في مقاطعة المنتجات التي تستنزف جيوبه وصحّته أو أن ينتقدَ أيّ قطاع بالكيفية التي تناسب الفكر العام والتوجه العام دون المساس بالحقوق غير الفعلية، فكيف يعقل أن نُحقّق إصلاحًا شاملًا؟

قال الزعيم الأرجنتيني تشي جيفارا “لا نستطيع أن نصبح ما نريد ببقائنا على ما نحن عليه” الأمر الذي يجب أن يحثّنا على استخدام كلّ الوسائل لتحقيق القانون وتجسيده على أرض الوقع وألَّا يظلّ منهجًا يُدرّس داخل أقسام الجامعات فقط لا غير.