كثرَ في الآونة الأخيرة، الحديث عن أخبار الاغتصابات في المغرب، وأسهمت القضية -الَّتِي أصبحت معروفة باسم عدنان- في تفجير حقائق صادمة عن هذه الظاهرة، الَّتِي أصبحت تُؤرّق بال المغاربة، خاصّةً أنَّها تمسّ أمن أطفالهم وسلامتهم. وفي السياق نفسه، سنُحاول في هذا المقال تسليط الضوء على ظاهرة تزويج القاصرات، الَّتِي يُمكن اعتبارها اغتصابًا أيضًا للطفولة.

هذه الظاهرة الَّتِي تُعدُّ ظلمًا للمرأة واغتصابًا لطفولتها وانتهاكًا لحقوقها، خصوصًا أنَّ غالبية الدول العربية صادقت على اتّفاقية حقوق الطفل، وبالرغم من جهود محاربة ظاهرة تزويج القاصرات في المغرب، فإنَّ النتيجة القائمة الآن هي انتقال هذه الظاهرة من السرّيَّة إلى العلنيّة، واتّساع نطاقها في البوادي والقرى المغربيّة، فقد قُدّر عددُ تزويج القاصرات في عام 2016 بنحو 45 ألفَ حالةٍ تقريبًا، وهناك تزايد لعددِ الحالات الَّتِي يتمُّ تزويجهن في سنّ صغيرة.

الظاهرة تُسائل الدولة والحكومة عن الأسباب الحقيقية الكامنة خلف اختيارات بعض الأسر تزويج بناتهن في سنّ الزهور.

وعلى الرغم من أنَّ الشكلَ العامَّ للقضية لا يمنح أيّ مُبرّرات لتزويج القاصرات، وقد يقول أحدهم إنَّ الفقر هو السبب وراء تزويج القاصرات، لكنَّ هذا كلام مردود عليه، بكلّ بساطة؛ لأنّه لا يمكن تقديم الفتاة قربانًا من أجل إنهاء فقر الأسرة والقضاء عليه؛ لأنَّ محاربة الفقر تمرّ عبر سياسة عموميّة مندمجة لمحاربة الفقر ودعم الأسر، وهي مسألة أطرحها في إطار مسؤولية الدولة في حماية وضمان حقوق الطفل وحقوق الطفلة في التمدّرس والتطبيب… وليس في تزويجهن، ويؤدي الوعي بضرورة توفير الحماية للأطفال دورًا مهمًّا وجب نشره في البوادي والقرى والمداشر، خصوصًا أنَّ الظاهرة تعرف تزايدًا كبيرًا، وذلك عن طريق سياسة عمومية لدعم الأسر المعوّزة والفقيرة الموجودة في المناطق الهشّة بالمغرب من جهة، وسنّ قوانين جزّرية تعاقب كلّ مَن زوَّج فتاة قاصرًا أو ساهم في تزويجها من جهة أخرى.

وفي السياق تؤدي المدرسة دورًا مهمًّا في التوعية، كما أنَّها تُربّي على حقوق الطفل وتُنمّي الفكر وتمنح وسائل للنضج الفكريّ لاستكمال الدراسة والبحث عن فرص عمل لتحقيق الاكتفاء الذاتي إن قامت المدرسة بدورها.

ويبدو أنَّ تزويج القاصرات في المغرب له جذورٌ ضاربةٌ في التاريخ، وله أعرافٌ ثقافيّةٌ تُجسّد المكبوت الجنسي لدى بعض المغاربة، مَمَّن يتزوجون قاصرات، ويعتبرون الجسد الأصلح للمتعة الجنسيّة هو الجسد الصغير؛ اقتداءً ببعض المُتخلّفين من الفقهاء والأئمة، مُفضّلين إياه على جسد الراشدة، ولعلّ أخطر إشكال تواجهه الفتاة القاصر في بعض القرى النائيّة بالمغرب هو زواج الفاتحة، وهو زواج يقتصر على قراءة صورة الفاتحة دون عقد قانوني أي زواج غير مُوثّق رسميًّا يحرم الفتاة مجموعة من الأمور المهمّة كحقوقها الزوجيّة، وحقّ اعتراف الزوج بأبنائه في حالة إنجاب الزوجة أطفالًا، إذ لا يُسجّل أبناء هذا الزواج في دفاتر الحالة المدنيّة، ومن غير المنازع عليه أنَّ لزواج القاصرين عامة، والقاصرات خاصة، عواقبَ صحيّةً مُتعدّدةً سواء على الصعيد الجسديّ، أو النفسي، وهو يطال الأم القاصر، كما المولود القاصر، وله انعكاسات اجتماعيّة على الفرد والمجتمع بأسره.

وتختلفُ زوايا معالجة موضوع زواج القاصرات بين الشرع والقانون والعرف الاجتماعي…. وما دام التفكير يدور حول عذرية البنت من خلال العقلية التقليديّة، الَّتِي تحثّ على أنَّ زواج الفتاة هو مصيرها ومُهمّتها التاريخيّة، الَّتِي جاءت من أجله للحياة، فإنَّنا لم نخرج من دائرة المشاكل الاجتماعيّة، فسرعان ما لا تدوم تلك العلاقة ولا يستمرُّ الزواج أكثر من سنّة أو سنتين، وهناك نماذج وشهادات صادمة عن قاصرات رجعن بأطفال هم أيضًا ضحايا، لأنَّ هؤلاء الأطفال أغلبهم ينتمي إلى أطفال الشوارع، الَّذِينَ يُشكّلون ظاهرة أخرى أصبحت واقعًا في البلاد. ولهذا يجب ألَّا يتحوّلَ الاحتفال بحقوق المرأة والإنجازات، الَّتِي وصلت لها الحركات النسويّة في المغرب، مجرد روتين مفروض على المجتمع، أو شكلٍ من أشكال النفاق والتظاهر بالتطور والتقدّم، وإنما يجب الوقوف على التفاصيل الدقيقة، الَّتِي تتعلّق بكلّ ما من شأنه أن يجعل من الفتاة المغربيّة مساهمة في تطور المجتمع المغربي، فلا تحرّر للمجتمع دون تحرر المرأة؛ ولا تحرر للمرأة في ظل النظرة الدونية الَّتِي ينظر لها بها، انطلاقًا من منطلقات رجعيّة مُتخلّفةً، فالمجتمعات الغربية عند مواجهتها لمشاكل تقفز عليها وتمر إلى الأمام، عكس مجتمعاتنا تحاول العودة إلى السلف ولكن ماذا نجد عند السلف؟ لا نجد سوى تاريخ من السبيّ وكل أشكال التقليل من كرامة المرأة.

إن المقاربة القانونيّة لن تُحدّ -وحدها- من الحيف الَّذِي يطال المرأة في جميع المجالات، بداية من حقها في الحياة والمساواة، وفي الإرث والتمدرس والتطبيب، وتقلد مناصب سامية، نهاية بإنهاء كلّ أنواع الحيف والتميز ضدها، وذلك لن يتأتى إلى عن طريق استحضار مقاربة شموليّة للوقوف على مكامن الخلل، في أبعاده المختلفة، سواء البعد التربويّ أو الاجتماعيّ أو السياسيّ والثقافيّ، وعدم التركيز فقط على القانون، بل التركيز على النزعة الإنسانيّة والغاية الفضلى الطامحة لبناء مغرب الغدّ، الَّذِي تنشده الفتاة المغربية.

أنوار المجاهد