ما إن دقَّت الساعات الأولى من صباح يوم الجمعة، حتّى بدأ الناس بالاستعداد للتوجّه إلى المساجد لتأدية شعيرة الجمعة، الَّتِي لم يسبق وأن انقطع أداؤها لفترة طويلة كهذه على مرّ الأزمنة والعصور، وبقدر تشوّق الناس لتلبية نداء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ) بقدر الحرص على تنقّل الخطوات إلى البيوت والمساجد على غير ما جرت به العادة، فلم تعد شعائر اليوم المبارك تقتضي الغسل والتطيّب والتزين بما جاد من الملابس، بل أصبح لزومًا على المُصلّين إحضار كمامات واقية ولوازم أخرى تتوافق مع الظرفيّة الصحية الراهنة.

ومع اقتراب رفع أذان الجمعة تسارعت الخطوات إلى بيوت الرحمن، الَّتِي أمر بفتحها بعد مراحل التشديد، فئاتٌ عمريّةٌ مُختلفةٌ هبَّت لتلبية النداء هذه المرّة، بعضها كان يقصد المسجد يومًا في الأسبوع؛ نظرًا لظروف عديدة وبعضها تعلّقت أوصالها بالمساجد، ولم تعد الأخيرة تُمثّل لهم مجرد بيت عبادة، بل مؤسَّسة اجتماعية يصلون فيها الرحم ويتعبّدون فيها إلى الله عزّ وجلّ.

المآذن التي رفعت في هذا اليوم الكريم وصلت إلى الأذان وكأنها تُرفع لأوّل مرّة، استجاب المُصلّون لنداء الجمعة وتوافدوا إلى المساجد، جاعلين الحفاظ على السلامة الصحية في مُقدّمة تأدية الشعائر الربانيّة، بعض المساجد الَّتِي لم يشملها قرار الفتح من ذي قبل، فتحت أبوابها بعد سبعة أشهر وزيادة جنبات المسجد مُهيّأة لاستقبال عباد الرحمن بسلام عن بُعد، وبإشارات المحبة الَّتِي بعث بها المُصلّون إلى بعضهم، كان أوّل لقاء ببيت الله بعد فراق طويل على القلب والروح.

افتتحت الصلاة بتلاوة آيات بيّنات من الذكر الحكيم وبأصوات تملأ فضاءات المسجد الداخليّة منها والخارجيّة، نفحات ربانيّة اشتاقت لها النفس المتعبة، كما اشتاقت لصلاة جماعيّة في يوم الجمعة المبارك، الَّذِي يحمل من الرمزية والقداسة، الشيءَ الكبيرَ في قلوب العباد، ما انتهى المُصلّون من قراءة ما تيسّر من الكتاب العزيز، حتَّى رُفع أذان صلاة الجمعة وبنفس الخشوع توجهت الرقاب لاستقبال إمام وخطيب يوم الجمعة.

بصوته المعهود وسمته المعروف، حلّ الإمام مُسلّمًا على جميع مَن حضر صاعدًا المنبر لمخاطبة أمّة اشتاقت لسماع الموعظة الحسنة، خاصّةً في ظلّ الظروف الراهنة، الَّتِي فرضت مجموعة من المُتغيّرات، وأثبتت ألَّا نداء يعلو على نداء الروح في جميع الظروف، بعد أن حيَّا المُصلّين، استهلّ الإمام خطبة الجمعة محاولًا جمعَها بالأحداث الماضية وبالأحداث الَّتِي أقبلت عليها البشرية جمعاء، ومُحذّرًا في الوقت ذاته بالالتزام بإجراءات السلامة الوقائيّة، وأنَّ مقصد الدين الحنيف هو من أوصى بحفظ النفس من الهلاك.

وسط هذه الأجواء والنفحات الربانيّة واصل الإمام ترتيل خُطبة الجمعة على الحاضرين واعظًا إياهم بالتشبّث بالمحبّة والقيم والأخلاق، حاثًا إيّاهم على النهوض والقيام من جديد وعدم الركون إلى القنوط في زمن أضحت فيه الحركة والسكون محكومة بمجموعة من الضوابط، مُذكّرًا أنَّ دور المسجد لا يقوم على سرد الخطب، بل في حثّ الناس على تطبيق شعائر الدين الحنيف بما فيه من قيم التضامن والتكافل والتحلّي بالأخلاق الحميدة في كلّ وقت وحين لتحقيق الغاية المنشودة من الوجود، وهي عبادة الله في السرّ والعلن والصبر على البلاء والضراء.

بعد انتهاء خطبة الجمعة، رفعت أكف الضراعة إلى الباري -عزّ وجلّ- أن يرفع عن البشريّة جمعاء هذا الوباء وأن يشمل الجميع بأنوار لطائفه وبتمام رحماته وبركات عافيته، مُذكّرًا الناس بالتقيد بجميع إجراءات السلامة الصحيّة ليحافظ الجميع على مكتسب فتح أبواب بيوت الرحمان في زمن الوباء.