لطالما كانت الديمقراطيةُ طريقةً غير كاملة للحكم، لكنَّنا اليوم ندفع ثمن انهيار المشهد السياسيّ بالمملكة المغربيَّة، فالملاحظ أنَّ الشعبَ بكلّ شرائحه وأطيافه فقد الثقة في الفاعل السياسيّ، وصار يعتبره مثل ذلك الجسر الخشبيّ، الَّذِي أنهكته العواملُ الطبيعيَّةُ فصار جسرَ موتٍ وخطرٍ، فالخوف اليوم ليس من الانتخابات وحرَّية الاختيار، بل الخوف من السياسي نفسه، الَّذِي التصقت بعباءته كلّ صفات الذمّ والقدح، ما يُسائلنا عن الديمقراطية الوطنية وكيف سننقذها من التحوّل إلى روتين انتخابي وشعارات فضفاضة نرفعها في الوقت الَّذِي نريد؟

نحن اليوم بحاجة إلى إصلاح الديمقراطية بشكلٍ جوهريٍّ من أجل إنقاذها، وإذا لم نفعل ذلك، فإنَّ المشهد السياسي العامّ مُعرّض لخطر الانهيار، وقد يحلّ محله شيءٌ مظلمٌ للغاية.

ولدعم الديمقراطية وجب أوّلًا تحديد مفهوم ومعرفة من هم أعداؤها، فإذا كان من الصعب على 37 حزبًا الاتّفاق على نقطة واحدة، فلا داعي لأن يُوافق 35 مليون شخص على اختيار حزبٍ من هؤلاء للدفاع عن مصالحهم ومحاربة الفساد، وإقرار الحرّيَّة والكرامة والعدالة الاجتماعيّة.

اللافت للنظر، أنَّ الانتخابات التشريعيّة الأخيرة، الَّتِي جرت في 7 من أكتوبر 2016، الَّتِي بلغت نسبة المشاركة 43% كان الأجدر بالأحزاب السياسيَّة أن تعمل على تعزيز المصالحة مع المُقاطعين للعملية الانتخابيّة، الَّتِي أكَّدت أنَّ عدم الشعور بالثقة في الأطراف السياسيّة، وهو شعور غالبًا ما يرتبط بالتملّص من المسؤولية السياسيّة وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة أو حتَّى نقاش حصيلة الأحزاب المُشكّلة للحكومة والوقوف على مدى التزامها بوعودها الانتخابيَّة أدَّى وسيُؤدّي إلى عزوف وعدم الرضى عن نتائج الانتخابات كيفما كان شكلها؛ لأن الإنسان بطبعه يرفض كل ما يجهله.

علاوةً على ذلك، يُطلب من الديمقراطية التعامل مع تحديات السياسة الَّتِي لها آفاقٌ زمنيَّةٌ أطول وأكثر تعقيدًا مما كانت عليه في الماضي. لذا فإنَّ الحاجة الملحة لإصلاح المشكلات يجب أن تكون ضمن اهتمامات السياسيّ نفسه في مقابل أنَّ التعقيد يفتح المجال أمام الديماغوجية.

ولن أبالغ إن ما قلت إنَّ الكثير من الناخبين مقتنعون بأنَّ السياسيّين يبيعونهم، ولديهم وجهةُ نظرٍ بخصوص هَذَا الأمر، فكلنا نتذكّر عندما فاز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات السابقة الكلّ يتذكر الشعار الَّذِي رفعه الحزب ألا وهو محاربة الفساد وتقليص البطالة وتوفير السكن وما إلى ذلك من الوعود، الَّتِي ظلَّت حبيسة الأوراق، فالواقع أنّه بعد أزيد من تسع سنوات من حكم الإخوان في المملكة، لم تتغيَّر سوى حالتهم المادية، وفي هَذَا الصدد يمكن العودة إلى العديد من المقالات الصحفية والتقارير الَّتِي أثبت عدّة اختلاسات لأعضاء هَذَا الحزب دون الحديث عن تعويضات بنكيران الخياليّة، الَّتِي كلَّفت وستكلف الدولة الملايين في السنوات المقبلة، وحتّى بعد عزل بنكيران وتعويضه بالطبيب النفسي الدكتور سعد الدين العثماني، لم يتخيّل الناخبون أن يصير المغرب إلى ما وصل إليه من ردّة على المكتسبات، الَّتِي حقَّقتها المملكة على مدى عقود من الزمن، لكن الواقع الأكثر دقّة أنَّه لم يعد يهم أنَّنا تلقينا دروسًا على يد مُحترفي الشعبوية والعزف على الأوتار الحسَّاسة، مُستعملين في ذلك أقدس ما يملكه المسلمُ المغربيُّ، ألا وهو عقيدته، لكن الأهم أنَّنا تعلمنا بأنَّ الإصلاح لا يتأتى إلا بتفعيل المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي السياق نفسه، وجب التذكير بأنَّ البيئة الحالية، لا يكون التهديد الأكبر لمرشح ما من حزب معارضة لديه مجموعة مختلفة من السياسات، ولكن من الطرف المتطرف لحزبه. فالاستراتيجية المثلى الَّتِي يبحث عنها الناخب هي النقاء الأيديولوجي.

 ويبدو الوضع قاتمًا، ولكن لا بُدَّ من أن يكون هناك حلٌّ وهو إعادة بناء أرضية سياسيّة وهذا يتطلّبُ إعادة هندسة مؤسَّساتنا لتعزيز المركزية والاعتدال والتسوية، لضمان قدرة الجسر الَّذِي ذكرناه في بداية المقال على تحمل أحمال القرن الحادي والعشرين المطلوبة منه، ومن السهل أن نتخيّل أن مجموعة من الأحزاب السياسيَّة يمكن تتحد معًا، وتخلق حركةً جديدةً بما يطلق عليه في الفلسفة السياسيّة بـ«استراتيجية الارتكاز»، ويمكن اعتبار أنَّ الاندماج من شأنه تغيير الديناميكية السياسيّة للمغرب، ويعيد بناء النسيج التام بين الأحزاب، ويفرض شروطًا جديدة على الأحزاب السياسيَّة وعلاقتها بالناخبين.

أنوار المجاهد