لم يتبقَ سوى القليل ويصبح للتطرف يومٌ عالميٌ يُحتفى به، إذا استمرّت الأوضاع بين تيارات العالم المختلفة على المسار الحالي، الَّذِي ينحاز كلُّ طرف فيه إلى رمي الآخر بأقبح النعوت والصفات، والنبش في وقائع تاريخيّة، بعضها حُرّف مع الحقب الزمنيّة، والبعض الآخر لم يحسم فيه إلى اليوم.

ولو افترضنا أنَّ فئةً ما كانت مخطئةً في زمن مُعيّن، فالأحرى في زماننا هذا نبذُ الخلاف والتعقّل في إصدار الخطابات الَّتِي تؤجج الوضع ولا تخدم أيّ طرف.

إنّ ما يمر به العالمُ اليوم، يتطلّب الحكمة والتعقّل لا التهوّر وجرح الآخر في مقدساته ومعتقده، لا سيَّما من طرف الدول الَّتِي تدّعي رعاية الحقوق، واحترام جميع المعتقدات، وتعتبر أنّ أيّ سلوك ضد هذا المنحى سلوك وجب المعاقبة عليه؛ باعتباره سلوكًا شاذًا يتنافى والمنظومة الأخلاقيّة للمجتمع الإنساني الواحد، الَّذِي لا يُصنّف فيه الإنسان حسب المعتقد والأيديولوجيّة، بل حسب القيم الأخلاقيّة المشتركة بين جميع الرسالات، وبين جميع الطوائف والمعتقدات كافة.

وبما أنَّ البقع الجغرافية في جميع نقاط الأرض أضحت اليوم ولعوامل متعددة، تضمّ أجناسًا مختلفةً في قُطرٍ واحدٍ، وجب مراعاة الأمر، واحترام خصوصية كلّ فرد دون المسّ بالحقوق العامّة، فلم يعد الأمرُ يقتصرُ على الخطابات الصادرة عن المؤسَّسات الدينيّة أو الاجتماعيّة هو المصدر الوحيد لتلقّي المعلومة، بل أصبحت الوقائع والأحداث، الَّتِي يعرفها العالم بدورها مصدرًا رئيسًا في تبنّي الأفكار وشحن العقول، وهذا من شأنه أن يُكوّن شرارات بين المجتمع الواحد، ما لم تتجنّد المؤسّسات في ترويض هذه المصادر على وجهها الصحيح.

 خشية ترك المجال مفتوحًا أمام الأفراد، الَّذِينَ يتحيّنون كلّ الفرص من أجل النفخ في أحداث مُتفرّقة، والترويج لها للتأجيج الغضب بين التيارات والمعتقدات، الَّتِي تسعى جاهدة لترك الخلافات جنبًا وعدم الوقوع في كوارث يصعب حصرها أو القضاء عليها في مثل الظروف الحالية، الَّتِي أضحى فيها فتيل النزاع مشتعلًا أكثر من ذي قبل.

 إصدار خطابات استفزازيّة والردّ عليها بطرق أكثر استفزازًا منها، يضرب سنين من الهدنة بين كلّ الأطراف، وتهدم جميع المشاريع الَّتِي تبنتها مؤسّسات ومُنظّمات، استطاعت أن تبث نوعًا من السلام الداخلي بين أجناس مختلفة من الخلائق، وتوحيد الخطابات المتفرقة، الَّتِي تركز على المشترك أكثر من التفرقة والصراع نحو اللاشيء، بوسائل تكون نتائجها وخيمة على الأفراد والمجتمعات، عالمنا اليوم يعرف الكثير من الاضطرابات، ولا يحتمل مزيدًا من الفتن، الَّتِي تخلق أزماتٍ مضاعفةً ممَّا يعرفها العالم اليوم.