تستدعي عملية التفكير في صياغة نموذجٍ تنمويٍّ جديدٍ، استخلاصَ الدروس من الانعكاسات السلبيَّة المترتبة عن نظام العولمة والأزمات الاقتصاديَّة الكبرى، التي أدّت إليها السياسات المُحافظة وتوجهات الليبراليّة المُتوحّشة، التي أدّت إلى اغتناء فاحش لفئات تُمثّل الأقلية، بينما زاد فقر الأغلبية، بما فيها الطبقات الوسطى، التي كلما توسعت ازدهرت الديمقراطية وتحسّنت الأوضاع، وكلما ضعفت، تقلّصت مساحة البناء الديمقراطي وتطورت الهشاشة بكلّ سلبيتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة.
وهنا، لا بُدَّ من التذكير بمنظورنا لدور الدولة التي نريدها غير مُحايدة، تُؤدّي دورًا تحفيزيًا واجتماعيًّا لصالح الفئات الاجتماعية الأكثر تضرّرًا في المجتمع، من خلال توفير شروط العيش الكريم، والحماية الاجتماعية العادلة والمنصفة؛ للتخفيف من حدّة آثار نظام العولمة المُتمثّلة في إنتاج المزيد من الفقر والهشاشة، في ظلّ غياب تنافسية الاقتصاد الوطني القادرة على تحقيق التوازن الاجتماعي.
 
دعوة الملك محمّد السادس جميع المتدخلين والمعنيّين إلى بلورة نموذجٍ تنمويٍّ جديدٍ وَفْق مُقاربة تشاركيَّة ومندمجة.
 
فإنَّنا نُؤكّد الملامح الكبرى الأساسية التي وردت في الخطاب الملكيّ بالمؤسّسة التشريعيّة بتاريخ 13 أكتوبر 2017، التي تتجسّد في السعي إلى إقرار نموذجٍ تنمويٍّ متوازنٍ ومُنصفٍ قادرٍ على ضمان العدالة الاجتماعيّة والكرامة الإنسانيّة من خلال الحدّ من الفوارق الاجتماعيّة والتفاوتات المجاليّة.
 
إنّ التحولات السياسيَّة والاجتماعيَّة التي عاشتها وتعيشها بلادنا، في ظلّ السياق الإقليمي المتغير، يفرض علينا جميعًا المزيد من اليقظة والاستيعاب الجيّد لانتظارات المُواطنات والمواطنين المغاربة، داخل المغرب وخارجه.
 
ويتعين علينا درء مخاطر إهمال التطلعات نحو منظومةٍ سياسيّةٍ ومؤسّساتيةٍ ضامنة لحقوق وكرامة المواطن، عبر توطيد مقومات دولة الحقّ والقانون وإعطاء مضمون ملموسٍ لخصوصية النظام السياسيّ المغربيّ بوصفه ملكيّة ديمقراطيّة واجتماعيّة، مما يحتمُ علينا أن نضعَ على رأس أولوياتنا أهدافًا كبرى، تتمثّل في التشغيل ومعالجة أزمة التربية والتعليم وضمان الحقّ في الصحّة والسكن اللائق.
 
وفي هذا الصدد، فإنَّنا مُطالبون بالاستثمار الإيجابيّ للدينامية السياسيّة الجديدة التي عرفتها بلادنا، خاصّة مع إقرار دستور 2011، وما تضمّنه من مقتضيات مهمّة لتطوير البناء السياسي وتقوية المنظومة المؤسّساتية، وتعزيز الحكامة العمومية.
 
فخلافًا للتوجه المحافظ واستدراكًا للزمن السياسي الذي أُهدر في السنوات السابقة، ينبغي أن نحرص على تفعيل مُختلفِ المقتضيات الدستوريّة بما يُرسّخ مُقومات الدولة القوية العادلة، ويُكرّس قيم المجتمع الحداثيّ المتضامن.
 
فالغاية من ذلك، هي العمل على توسيع مجال تقاسم السلط بين مراكز الدولة والمجالات الترابيّة اللامركزية، والممارسة الفعليّة للحرية والعدالة، وتعبئة الطاقات والوسائل اللازمة لتعميم الخِدْمات العمومية، وصيانة التعدّد الثقافي واللُّغوي في إطار وحدة الهُوية الوطنيَّة.
 
فالعمل من أجل نموذج تنموي جديد مسألة استراتيجية تتطلب منا الجرأة في الطرح والإبداع في الوسائل، والشجاعة في المقاربة، لأنّ تغيير النموذج الحالي لا يمكن أن يتمَّ دون التخلّي عن امتيازات مبالغ فيها، لصالح بعض الفئات، فالمجتمعُ المتضامن هو ذلك الذي يعتبرُ فيه كل مواطن نفسه مسؤولًا عن دعم ومساندة الآخر، في طار التزامات وواجبات تجاه الوطن والمواطنين.
 
وفي هذا الإطار، يمكن القول إنّ الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بتاريخه النضالي الطويل ورؤيته السياسية ذات البعد الاجتماعي، مُنخرطٌ بشكل كليّ في هذا المجهود الوطني الجماعي، بل إنْ حزبنا شدّد في وقتٍ مُبكرٍ على ضرورة تغيير النموذج التنموي الحالي الذي بلغ مداه وانتهت صلاحيته.
 
فمنذ المؤتمر الوطني الثامن سنة 2008، وكما هو مثبت في أدبيات ووثائق الحزب، اعتبرنا أنَّ المشاريع التنموية لم تستطع مواكبة المتطلبات المتزايدة للمواطنات والمواطنين، ولم تستجب لانتظاراتهم المتنوعة.
 
واعتبرنا أيضًا أنَّ التطورَ الاقتصاديَّ وما يحقّقه المغرب من مشاريع اقتصادية كبرى في العديد من القطاعات لم ينعكس بالشكل المأمول على مستوى التنمية المجتمعية والبشرية وتحسين الوضعية الاجتماعيّة، خاصّةً بالنسبة للفئات الهشّة والفقيرة.
 
أعلن حزبنا خلالها عن انخراطه في الأوراش الإصلاحيّة الكبرى التي تعرفها بلادنا والتي تُعيد هيكلة الاقتصاد الوطني نحو الأفضل، وتُدعمه تنافسيًا عبر توفير البنيات التحتية اللازمة، وتقديم التحفيزات المناسبة للمقاولات الوطنية، وتبني سياسة مُندمجة للتنمية البشرية، وهو انخراط فعلي يتجاوز التأييد المبدئي ليتجسد في المساهمة على مستوى المؤسّسة التشريعية، وتدبير الشأن العام على المستوى الحكومي من خلال سياسات عموميّة كفيلة باستثمار هذه الأوراش لتحقيق القفزة النوعية والتسريع من دينامية التنمية الشاملة.
 
إنها نفس درجة الانخراط التي نعلنها في دعم هذه المبادرة الوطنية، وطرح تصورنا للنموذج التنموي الجديد من موقعنا كحزبٍ تقدمي حداثي ينتصر لمبادئ وقيم الحرية والعدالة والمساواة والتضامن.
 
وممَّا لا شك فيه أنَّنا اليوم بصدد التشييد لمنعطف تاريخي في مسيرة بلادنا من خلال وضع نموذج تنموي بديل سيمكن من تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان الكرامة الإنسانية وترسيخ قيم المساواة والإنصاف والتضامن، فنحن وإن كنّا ضد منهجية القطيعة، لنبني انطلاقًا مما راكمته بلادنا من إيجابيات، لكنَّنا في نفس الآن ندعو للتأمل العميق، للوعي بأنَّنا نعيش في القرن الحادي والعشرين، بأزماته الجيوسياسية، وتحدياته الثقافية، وتحولاته المناخية الكبيرة، بالإضافة إلى التغيرات الجذرية التي يشهدها المغرب في بنيته الديمغرافية والسوسيولوجية والمجالية والثقافية، يعني كلّ هذا أنَّنا في حاجة لأنماط تفكير مبدعة ومبتكرة ومشروع مجتمعي جديد.
 
ونحن في الاتحاد الاشتراكي نرى أنَّه من الضروري التركيز على خمسة مُرتكزات أساسية في بلورة نموذج تنموي مندمج قادر على مواكبة تحولات وتطورات بلادنا. أوّلًا، المرتكز المؤسّساتي الذي سيمكن من تقوية دور المؤسّسات لإسناد النموذج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي تطمح إلى تطويره بلادنا في إطار المقتضيات الدستورية ودولة الحقّ والقانون وحماية الحقوق والحريات.
 
وفي هذا الصدد، لا بُدَّ من العمل على تجاوز الأزمة المزمنة للمنظومة التمثيلية، وخاصة السلبيات التي أفرزها نمط الاقتراع اللائحي لأزيد من 15 سنة، ما ساهم في ضعف أداء المؤسّسات المنتخبة واستفحال الفساد الانتخابي باستعمال المال أو الإحسان المقيت.
 
ولن يتم ذلك إلا بالمراجعة الشاملة للمنظومة الانتخابيّة بما يُسهم في تجديد النخب السياسية، التي ينبغي أن تكون منفتحةً على الكفاءات وعلى الفئات الشابة، التي من شأنها تغيير الواقع الحالي للعديد من المؤسّسات التمثيلية، التي أثبتت جفاف تسييرها وعقم تعاملها مع واجباتها ووظائفها وعجزها عن التأطير، ويتطلب هذا ترسيخ تمثيلية القرب، إذ نؤكد أنَّ الاقتراع الفردي من شأنه أن يُكرّس التواصل المستمرّ والجاد بين المنتخبين والمواطنين.
 
كما ينبغي تمكين الفاعل السياسي من الآليات الضرورية لتطوير أدائه التأطيري.
 
ثانيًا، المرتكز الاقتصادي الذي سيتيح استرجاع المبادرة الوطنية في مجال التدبير الماليّ والاقتصاديّ، خاصّةً أنّ المغرب في حاجة اليوم إلى صياغة نمط من التنمية لا يراهن فقط على العوامل الخارجيّة والعولمة، ولكن البلاد في حاجة إلى نمط تنمية يحرك قوى الإنتاج الوطنية ويقوي القدرة الشرائية من أجل تنمية السوق الداخلية، نمط يفتح إمكانيات جديدة أمام ولوج الشركات الصغرى والمتوسطة لمصادر التمويل، مع ضرورة الابتكار في مجال أدوات التمويل.
 
وإنَّنا ندق ناقوس الخطر من أن التمادي في السياسة النقدية والمصرفية المالية الحالية، قد يؤدي إلى مزيدٍ من عوامل الإفلاس المقاولاتي، وبالتالي من فقدان مناصب الشغل، مع ما يترتب عن ذلك من تقهقرٍ للمستوى المعيشي للأسر المغربية، وتفاقم عجز صناديق الاحتياط الاجتماعي بسبب تراجع نسبة التشغيل.
 
ولذلك، لا بُدَّ من التوجه نحو الاستثمارات المنتجة لمناصب الشغل من أجل خلق حركية اقتصادية قادرة على الدفع بمسار التنمية إلى الأمام.
 
ثالثًا، المرتكز الاجتماعي الذي يمكن من ضمان الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة المتصلة بالشغل والتعليم والصحة، والتي أصبحت الهاجس الرئيسي، خاصّةً بعد التراكمات المهمّة التي حقّقها المغرب على صعيد الحقوق السياسيّة والمدنيّة.
 
وفي هذا الإطار، من الضروري، بل من المستعجل اتّخاذ المبادرات الجريئة لإحداث مناصب الشغل، وكذا تشجيع اقتصاد اجتماعي استثماريّ مُنتج، لكسب المعركة ضد الهشاشة والإقصاء الاجتماعي.
 
كما أنه من المستعجل أيضًا القطع مع الانتظارية والتحلّي بالجرأة اللازمة لإصلاح المنظومة التربوية في شموليتها بما يمكن من تعبئة الطاقات والوسائل الماليّة والفكريّة والموارد البشريّة من أجل منظومة تعليميَّة لا طبقية حديثة ومتناسقة مع متطلبات التنمية، وهنا لا يُعقل نهائيًا السكوت عمَّن يريد الاحتفاظ بالتعليم العمومي، على حاله شكلًا ومضمونًا، بينما يوجه أبناءه إلى القطاع الخاصّ، لضمان تعليم عصري مُتنوّع اللغات ومنفتح على العالم، نحن كاشتراكيين نُطالب بالمساواة بين أبناء الوطن الواحد في التعليم، ليتلقى أبناء الفقراء نفس التعليم الذي يتلقاه أبناء الأغنياء، بنفس المضامين المنفتحة على تعلم اللغات الأجنبيّة والفكر النقديّ والعقلانيّة.
 
وبالإضافة إلى ذلك، لا بُد من معالجة اختلالات المنظومة الصحية بتوفير خِدْمات صحية جيّدة وفي متناول الجميع عبر إقرار نظام شامل للمساعدة الطبية يقوم على الإنصاف والعدالة الترابية.
 
رابعًا، المرتكز المجتمعي الذي يُشكّل عاملًا حاسمًا في عملية التحديث والتقدّم ويجعل المشروع التنمويّ القائم على مُقاربة النوع خطوةً إضافيةً في طريق النهوض الفعليّ بأوضاع النساء وضمان حقوقهن الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
 
وينبغي للمشروع التنموي أيضًا أنْ يتمتعَ بالآليات الإدماجية الضرورية الموجهة للأشخاص في وضعية إعاقة والمسنين وغيرهم من الفئات المجتمعية، بما يجسد قيمَ الإنصاف والمساواة والتضامن.
 
خامسًا، المرتكز الثقافي الذي من شأنه المحافظة على التعدّد والتنوع في إطار وحدة الهُوية الوطنيَّة وفسح المجال أمام مساهمة أقوى وأنجع للتعبيرات واللغات المحليّة في الثقافة الوطنية.
 
ويجب التأكيد، في هذا الصدد، على الحقّ في الحرية، وضرورة تعزيز الإبداع الحرّ وثقافة الاختلاف وروح التعايش والانفتاح على الآخر.
 
لا بُدَّ من التأكيد في الأخير، أن تصوّرنا للنموذج التنموي الجديد يتطلّب منا أن نستحضر مختلف التحديات الرقمية والديمغرافية والبيئية والأمنية، وأن نأخذ في الاعتبار تداعيات المشاكل المزمنة الراهنة من قبيل المخدرات والجريمة والهجرة غير الشرعيّة والإرهاب والتطرّف.
 
ولذلك، فالنموذج التنموي الذي نطمح إليه جميعًا لن يتحقّقَ مدلوله الكامل إلا بالحفاظ على الأمن والاستقرار الذي تنعم به بلادنا المتوجهة بثبات نحو غدٍ أفضل.
 
ولذلك، نحن مدعوون جميعًا إلى تأمين استقرارنا والدفاع على مصالحنا الوطنية، وفي مقدمتها قضية وحدتنا الترابيَّة التي شهدت تطورات خطيرة في الآونة الأخيرة، بشكل يُهدّد السلم والاستقرار بالمنطقة.
 
وهو ما جعل حزبنا ينخرط في أيّ مُقاربة صارمة ضد تغيير الواقع الميداني في الصحراء المغربية، منطلقًا من مبادئ حسن الجوار والسلم والاستقرار، وضرورة التقدّم في البناء المغاربي، خدمة لمصالح الشعوب في تحقيق التعاون والعمل المشترك لمضاعفة مجهودات التنمية.
 
أنور مجاهد