الأصل في الصلاة الطمأنينة والتوجه إلى الله بمحبّة وإخلاص والسير إليه بكلّ الجوارح، سيرًا يشترط فيه الانفصال عن جميع العوالم والأغيار، وتسليم النفس إلى بارئها دون الوقوف مع عوائق من شأنها أن تُعرقل هَذَا السير أو تنحرف به عن الرُّقي والتدرّج في المعراج إلى حضرة المحبوب عزّ وجلّ.

أمور يمكنُ تحقيقُها أثناء تأدية الصلاة، وفي جميع العبادات المشروعة، الَّتِي تهدف في جوهرها إلى التخلّق بالمكارم والتحلّي بالفضائل بين الناس، أملًا في تحقيق المقاصد الكبرى، الَّتِي جاءت بها العبادات ونظَّمت من خلالها علاقة الإنسان بربّه، ثم تنظيم علاقته مع الغير.

وهَذَا يُعدُّ من أبواب الإصلاح الكبرى، الَّتِي وجب اعتمادها في عالمنا اليوم، إصلاح يبدأ من فهمِنا الصحيح للعبادات اليوميّة، الَّتِي إن صلحت أصلحت معها سائر الأعمال الأخرى، وهو ما معناه أنَّ ما نُمارسه اليوم من عباداتٍ بشكلٍ مُستمرٍّ تحوَّلت إلى عاداتٍ وطقوسٍ نُؤدّيها كسائر الأعمال الأخرى في حياتنا اليوميّة، وبذلك فقدت العبادات جوهرَها، ولَم تؤدي وظائفُها في تهذيب النفس وتقويمها أحسن تقويم.

ما نتج عنه هَذَا الاضطراب والقلق وكثرة الشكوى من الحالة الَّتِي وصل إليها العالم الإسلامي بالرغم من اجتهاداته في وسائل التعبّد والتوجّه إلى الله بالصلاة والدعاء وسائر العبادات، الَّتِي تحتاج في تطبيقها إلى مجموعةٍ من الضوابط ولا تقبل إلا بها، ولعلّ من أهمّها الفهم قبل التطبيق.

وبما أنَّ الصلاة عمادُ الدين في الشريعة الإسلاميّة وجامعةٌ لكلّ مقصد حسن ومفتاح دائم لتواصل العبد مع مولاه، كان لازمًا على المتقيّدين بأدائهما فهم شعائرها واستشعار مقامها باعتبارها بابَ الولوج إلى حضرة المولى -عزّ وجلّ- إذ لا يصلح تطبيق أمرٍ كهَذَا دون فهم وإدراك.

معنى الصلاة في جوهرها يختلف عن المألوف بين عامّة الناس، فهي ليست مجرد طقوسٍ وحركاتٍ تُؤدّى بانتظام وفي فترات مُتقطّعة بين الليل والنهار، بل هِيَ ذلك الخيط الناظم بين العبد ومولاه، وتتطلّبُ الإقبالُ بجميع الجوارح، الَّتِي تصبح بدورها منتظمة في تأدية وظائفها في سائر العبادات والمعاملات.

ولفظ الصلاة جامعة لا يدلّ على اجتماع الأفراد في تأدية شعيرة الصلاة، بقدر ما يدل على جمعها لكلّ خيرٍ وفلاحٍ للعبد أثناء عروجه إلى مولاه خمس مرَّات كلّ يومٍ وليلةٍ.