في جهودهم للتغلب على المآسي، الَّتِي خلَّفها فيروس «كورونا»، أظهرت الشعوب الشجاعة وروحَ التضحية الجديرة بالثناء والشعور بالانضباط، وأظهرت مؤسَّسات الدول والمجتمع مرونةً في مواجهة الظروف الصعبة للغاية ولو بشكل مُحتشمٍ.

إنَّنا اليوم لسنا في حالة حرب، ومع ذلك، فإنَّنا نخوض صراعًا مُنخفضَ الحدّة، ضد عدو غزا أراضينا ومن الصعب رؤيته، ومن الصعب تتبّعه، وهو مُتنقّل للغاية، وقابل للتكيّف، ومرن، والأصعب أن سيناريوهات ما بعد الفيروس طويلة الأجل وغير مُؤكّدة للغاية، ولن يكون تجاوز تداعيات الفيروس أمرًا سهلًا، وستتميز الفترة المقبلة بالتقدّم والنكسات، الصعود والهبوط، التفاؤل والإحباط.

 لقد أجبرت التدابير الاحترازيَّة المُتّخذة منذ أشهر، العديد من الأشخاص على العزلة الذاتيّة، وأدَّت أيضًا إلى تجريم فعلي للمجتمع الاجتماعي، ما أدَّى إلى التشكيك في علاقتنا مع «الآخرين» على أنَّهم مُحتملون (ناشرون للوباء) على جميع المستويات -المحلّيَّة والوطنيَّة والدوليَّة- ومبادئنا الراسخة للتضامن، وقد أدَّى ذلك إلى تآكل جزءٍ أساسيٍ من رأس المال الاجتماعيّ، الَّذِي يُحدّد المجتمع، بما في ذلك المجتمع الدوليّ.

 ويتجاوز الضررُ الَّذِي يُسبّبه الفيروس آفاقنا الفرديّة والمحليّة، ويمتد إلى المستويّين الوطني والدوليّ ليشمل رأس المال الاجتماعيّ والثقة المتبادلة الَّتِي يتبغى أن تكون العمود الفقري للنظام الدولي، إنَّ تأثير الفيروس والتدابير اللازمة لاحتوائه، له تأثيرات مُختلفة للغاية اعتمادًا على المرونة الكلّيَّة لكلّ بلد وصلابة المشهد الاقتصاديّ الجماعي والفردي، في الواقع، إنّ كورونا هو مُسرعٌ للتفاوتات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والتوترات داخل الدول وفيما بينها.

 لقد فتح الفيروس نافذةً على المستقبل، مما أجبرنا على التساؤل عن استدامة نماذج النمو والتنمية الحالية، وكذلك العوامل الَّتِي يمكن أن تزيد من إضعاف نسيج التعاون الَّذِي يقوم عليه النظام الدوليّ لما بعد الحرب الباردة، وتضخيم الخطاب المناهض للعولمة والحمائية، وتزايد غرائز المرجعية الذاتية والاستبداديّة، والتشكيك في الترابط وسلاسل القيمة، والنداء المتزايد للاستبداد، الَّذِي ارتبطت به زيادة الكفاءة والقدرة على اتّخاذ القرار بشكل غير صحيحٍ، ولكن تمّ ربطُهما بنجاح التهديدات المتزايدة في أعقاب الفيروس في واقع الأمر، كنا بالفعل في فترة  وصفها «غرامشي» بأنَّها مفتاحُ الانتقال من العالم القديم المُحتضّر إلى العالم الجديد، بحيث أدَّت أزمة فيروس «كورونا» إلى تسريع هَذَا الأمر، لكن لم تُوضع بعد أُسس ومبادئ وقواعد النظام الجديد لهذه الأسباب والعديد من الأسباب الأخرى، أصبحت الحاجة إلى التفكير في العلاقة بين الأخلاق والسياسة الخارجية مُلحّةً للغاية.

 إنَّ حرب الروايات الَّتِي نشهدها اليوم، الَّتِي ستهيمن بعد فترة طويلة على الأزمة لها بُعد داخلي وخارجي، وهما مترابطتان بشكل وثيقٍ، الشيء الَّذِي يدفعنا إلى طرح تساؤل مهمّ، ألم يحن الوقت الآن للتفكير في رؤية المستقبل في عالم ما بعد كوفيد؟ هل ستكون هذه فرصة لبناء عالم أكثر عدلًا ومرونةً واستدامةً، أم أنَّنا سنتحرّك في الاتّجاه المعاكس؟

 إنَّ تقلب الإطار السياسيّ، والتوترات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، والعواطف الإنسانيَّة، والشعور المتزايد بالخوف وانعدام الأمن بين الجمهور، وانتهازية بعض النخب، كلها تُوفّر تربة خصبة لتتجذر فيها مفاهيم القوميّة والانعزاليّة.

أنوار المجاهد