إن كانت النصوص القانونيَّة، الَّتِي شرعها المُشرّعُ المغربيُّ، قد حاولت الإلمام بواقع الحال وردعه بالعقوبات الواردة بالقانون الجنائي. فأين القانون المغربيّ وواقع الحال من الاعتداءات المعنويّة…؟ إنَّ الركن المادي في جريمة الاعتداء يتحقَّق بإثبات الفاعل نشاطًا ماديًا يُشكّل محاولة لها على الأقل، وهذا ما نص عليه الفصل 170 من (ق. ج)، الَّذِي ينصّ على أنَّه:” يتحقّق الاعتداء بمجرد وجود…؟ محاولة معاقب عليها”.

وعليه فإنَّ النشاطَ الإجراميَّ، الَّذِي يكون الركن المادي في جريمة، الَّذِي يكون الركن الاعتداء لا يلزم مبدئيًا فيه أن يتحقّق النتيجة الإجراميّة، الَّتِي استهدفها الفاعل بنشاطه، وإنَّما يكفي أن تتوفر فيه شروط المحاولة، الَّتِي يشترطها الفصل 114 من (ق.ج). في حين يترتّب على الأعذار المعفية، منح المؤاخذ الإعفاء المانع من العقاب، غير أنَّ القاضي يبقى له الحقّ في أن يحكم على المعفى بتدابير الوقاية الشخصيّة أو العينيّة ما عدا الإقصاء.

باستقرائنا نصوص القانون الجنائيّ، نجد أن المُشرّعَ المغربيَّ جرَّم محاولة الاعتداء وليس فقط الفعل المادي له، وتعدّى الأمر إلى تجريم الاعتداء المعنويّ بتخصيص للفرع الخامس من القانون الجنائي للاعتداء على الشرف أو الاعتبار الشخصي وإفشاء الأسرار. لكن واقع الأمر لا علاقة له بما سُطّر بهذه النصوص.

حيث نجد أنَّ الفصل (442) نصّ على أنّه يعد قذفًا، ادّعاء واقعة أو نسبتها إلى شخص أو هيئة، إذا كانت هذه الواقعة تمسّ شرف أو اعتبار الشخص أو الهيئة، الَّتِي نسب إليها، بينما نجد أنَّ الاجتهاد القضائي الأخير قرَّر غير ذلك، حيث اعتبر ولادة البنت داخل أجل السنة من تاريخ طلاق الأم، يجعل نسبها ثابتًا لأبيها، وإن أثبتت الخبرة الطبية عن طريق تحاليل الدم عكس ذلك؛ تماشيًا مع تطبيق اتّفاقية التعاون القضائي، قرار المجلس الأعلى بغرفة الست المجتمعة عدد 658 بتاريخ 30-12-2004 فهل يُمكن اعتبار المسّ بشرف الرجل المطلق يدخل ضمن هذا الفصل أم أنَّ الواقع الحال يستند على أسس أخرى؟

وبما أنَّ القضاء والشرعَ لا يتماشيان وإحقاق الأمن القانونيّ والقضائيّ، فهل يُمكن أنَّ اعتبار السبّ هو كلّ تعبير شائن أو عبارة تحقيرٍ أو قدح لا تتضمّن نسبة أيّ واقعة مُعيّنة، كما سطَّره الفصل (443) أم أنَّ السبَّ والقذفَ الملعلع في الشوارع من مختلف شرائح المجتمع -المُثقّف والواعي والجاهل- لا ينتمي لمرادفات السبّ والقذف؟ إن كان الاعتداء المادي لا نجد له صدى إلا بعد جهد جهيد، فهل يمكن أن يُطبّق القانون في الاعتداءات المعنوية؟ وهل هناك استثناءات يسرع فيها تطبيق هذا القانون؟

إن كان القانون يُطبّق على الجميع كما نص الدستور والقانون، وإن كان القانون في جوهر قواعده يتّخذ الطابع الاجتماعيّ، الَّذِي يُبرّر رفض طلب الدفع بجهل القانون، حيث لا يعذر أحد بجهله، ما يجعل الجميع مُسائل عن أفعاله بموجب القوانين المعمولة بها، حتّى إن لم يُدركوا خطورة الأفعال والأقوال الَّتِي تصدر عنهم دون حسبان لقيمتها القانونيّة بحسن أو بسوء نية، فالمشاحنات اليومية بين المواطنين بعضهم بعضًا، الَّتِي قد تتطوّر إلى حدّ السبّ والقذف والإهانة، والحطّ من كرامة الآخر  والاعتبار الشخصي للأفراد، الَّتِي قد تصل عقوبتها إلى الغرامة والحبس والسجن أحيانًا حسب الظروف والأحوال المُحاطة بجريمتي السبّ والقذف.

  فالمُشرّعُ المغربيُّ عاقب على السبِّ والقذفِ المُرتكبِ ضد المرأة، بسبب جنسها بغرامة مالية من 12.000 درهم إلى 60.000 درهم وعلى القذف بغرامة 12.000 الى 120.000 درهم، وإن كان المُشرّع المغربي تعدّى تجريم الاعتداءات إلى حد مُعاقبة أيِّ وشاية كاذبة ضد شخص أو أكثر وأبلغها إلى الضبَّاط القضائيّين أو إلى ضبَّاط السلطة المُختصّة، وكذلك من أبلغ الوشاية إلى رؤساء المبلغ ضده أو أصحاب العمل الَّذِينَ يعمل لديهم، بالحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات، وغرامة من مئتين إلى ألفِ درهم، فهل يُعقل أن نجد تجسيدًا فعليًا للقانون فيما يخصّ بالتجاوزات، الَّتِي تقع يوميًّا بشوارع المملكة أو حتّى نجد التفاعل الجدّي ضد الشكايات الموضوعة بهذا الصدد داخل أقسام الشرطة ونصرة الحقّ والمظلوم أم أنَّ للمواطن المغلوب على أمره نصرة الله وعدالة السماء؟