قبل البدء أودُّ الإشارة إلى أنَّ استعمالي للفظ “عن بُعد” سيكون استعمالًا اضطراريًا فرضته عوامل، جعلت من المصطلح ذا قيمة تربويّة بغضّ النظر عن كيفية تنزيله وتفعيله على الشكل البيداغوجيّ، الَّذِي أريد له علمًا أنَّ المصطلح حمل أكثر من طاقته، وأن وروده في الفضاء التعليميّ كان بمثابة المنقذ من الضلال في زمن الوباء.

مما لا شكّ فيه، أنَّ اللفظ سار عنوان مرحلة ما بعد 16 مارس 2020، وصارت عبارة “عن بُعد” على كلّ لسان، خاصّةً في مجال التربية والتعليم، واعتُمدت كتأسيس لهذه الصيغة وسائل هزيلة لا ترقى إلى منصات التعليم الرقميّ، الَّذِي يحتاج إلى مجال خبرة أوسع من حصره في رسائل الواتساب ولايف الفيسبوك ودردشة المسنجر والتطبيقات الاجتماعات كزوم Zoom وميت Meet وتميز Teams… والتلفزة والراديو.

كل هذا يدفعنا إلى طرح سؤالٍ مركزيٍّ، هل كانت التجربة من 16 مارس إلى نهاية السنة الدراسيّة بالفعل تجربة تعليم عن بُعد، قبل تقويمها والحكم عليها بالنجاح والفشل؟ الإجابة عن هذا تكمن في فهم صيغة التعليم “عن بُعد” بشكلها الصحيح مع تجاوز في السياق التداولي المروّج له في هذه الصبغة، سواء من طرف بلاغات الوزارة المعنية أو في المؤسّسات التعليميّة والفضاءات التربويّة أو عند الأسر، الَّذِينَ فرض عليهم التأقلم مع الوضع دون سابق إدراك.

وفعلًا كان اعتماد الصيغة الجديدة صائبًا؛ نظرًا للظرفية الحرجة، الَّتِي مرَّت منها البلاد وما زالت قائمة إلى اليوم، لكن أن يتحوّل الظرفَ الاستثنائيَّ إلى واقعٍ يوميٍّ، فهذا يتطلّب ضخّ مزيدٍ من الجهود في هذا المجال وإشراك فاعلين مؤسّسين في القطاع، بالإضافة إلى الاستعانة بخبراء في الميدان؛ كي يكون اعتماد تعليم الرقمنة اعتمادًا سليمًا تنخرط فيه جميع الهيئات، عوض أن نقترب منه بخجل ونجعله ورقة استثناء نُشهرُها متى دعت الضرورة ذلك.

وممَّا لا شكّ فيه أنَّ البرنامجَ التعليميَّ الجديدَ حمل -منذ بدايته- العديدَ من الإشكالات منها ما تمّ معالجتُه ترقيعيًا؛ ومنها ما ظلّ رهين الظرفية، ولعلّ أكبر إشكال وقعت فيه الهيئات التعليميّة والأطر التربويّة المسؤولة هو الثقة في المنهجِ الجديدِ عبر جميع أطوار التعليم، وإلا كيف يمكن تفسير اعتماد المنهج في وقت الزرع أي الدراسة والتوجّس منه عند اقتضاء الضرورة القصوى، وبعد أن ارتفع معدل الإصابات بنفس الوباء، الَّذِي فرض هذه الصيغة منذ اليوم الأوّل.

الصيغة الجديدة بعد حلول وقت الحصاد (الامتحانات) صار مُصطلح “عن بُعد” الَّذِي تغنّى به الجميع أكثر غموضًا، وطرح العديد من الأسئلة، من قبيل هل سيتمُّ اعتماد امتحانات على النهج الشفويّ أم الكتابيّ أم مزيج بينهما؟ وكيف يتمُّ التواصل وفي ظلّ أي ظروف؟

صيغة عن بُعد وكما هو معروف في العالم تقنية ومهارة بيداغوجيّة وإلكترونيّة يجب على الفاعل التربويّ أن يكون قد تلقّى أولوياتِها في مراكز التكوين وتابع فيها التكوين الذاتيّ والمستمرّ، دون ذلك فإنَّنا نتحدّث عن تفريغ المعلومات في ملفات سمعيّة وسمعيّة بصريّة، دون مهارة صقل وتكوين الكفايات الأساسيّة… وأخشى ما يمكن توقعه أنَّنا نُمارس التعليم عن بُعد.

إنَّنا بهذا الارتجال نبتعدُ عن التعليم الافتراضيّ، ولا نقترب إلى تحقيق نتائجه التربويّة وغيرها، لا سيَّما أنَّ أغلب القرارات المُتعلّقة بعن بُعد تؤخذ “عن بُعد” ومن أشخاص لا يعرفون ما معنى “عن بُعد” ولا يحق لفاقد الصلة بالشيء أن يتَّخذ فيه القرارات، وهنا وجب الإشارة إلى أنّ الوزارة المعنية لم تُراسل المدارس والجامعات للبحث عن أصحاب الخبرة واستشارتهم في هذا المجال ولو عن بُعد.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

عمر الحجي