الشرقاوي القرقاردكتور في الحقوق

 

لقد كانت البشرية مند القدم تتغنى بالعدالة بصفة عامة والعدالة الجنائية بصفة خاصة، وتسعى كل السعي نحو ادراكها لتحقق أهدافها، و هذا الاهتمام المتزايد أدى الى بروز عدد مهم من المدارس الفكرية و الفلسفية التي طرحت على ارض الواقع العديد من النظريات التي تصب في ذات الموضوع .

    وأنه بمجرد أن تطورت المجتمعات وارتقت ،وازاها تطور في الفكر القانوني والعلوم الجنائية، حيث أضحت للعدالة الجنائية مبادئ كونية وإنسانية، لا تقبل المساومة ولا يمكن باي شكل من الاشكال غض الطرف عنها والعيش بدونها، لأنها تنبني على تلك المبادئ وتتغدى عليها مضامينها، بل وأكثر من ذلك فقد أصبحت العدالة الجنائية من أهم مظاهر احترام حقوق الانسان وتمجيد الفرد داخل مجتمعه، وتعبر عن مدى التزام الدولة بالمواثيق الدولية ذات الصلة بالحقوق والحريات.

    وكل هذا كان له الأثر في نقل وتغيير نظرة الافراد اتجاه مرفق العدالة في السنين الأخيرة، عكس نظرتهم له في الماضي تبعا للواقع اليومي الدي بات يعيشه هؤلاء الافراد ،والموسوم بالتطور السريع والتغيير الملحوظ في القيم والأعراف التي يعيش عليها الناس والدي جعل العلاقات الاجتماعية هي الأخرى في تطور مستمر.

    وبالتالي فمسالة العدالة الجنائية هي ذات ماضي بعيد ضارب في الزمن، لكنها تعيش حاضرا متعثرا وأزمات تجعلها غير قادرة على بلوغ أهدافها ومراميها التي جاءت من اجلها، مما يفرض على القائمين بوضع السياسة الجنائية، رغم الجهود المضنية المبذولة نوع من التحدي للخروج من هدا الحاضر السيئ والواقع الأليم ،ومن أجل ذلك ارتئينا أن نسهم في هدا الباب بطرح بعض الحلول التي نراها من جانبنا مجدية، لكن قبل ذلك لابد من تشخيص العلة، والوقوف على مكامن الخلل بالحديث عن أهم أسباب التعثر.

    وعليه فالعدالة الجنائية في بلادنا بالصورة التي عليها اليوم تواجه أزمات لم تكن معروفة من قبل، حيث   استفحلت  الجريمة،  وارتفع  عدد القضايا الرائجة امام المحاكم، مع بطء ونقص  في جودة الأحكام، دون أن ننسى- معضلة- الاعتقال الاحتياطي الدي أصبح قاعدة في اعلان المتابعات، وأصبح ينظر الى جل الجرائم أنها خطيرة ومرتكبيها مجرمين ذوو خطورة، و الذي وازاه اكتضاض في المؤسسات السجنية التي عبر عنها البعض بأنها وسيلة باهظة   لتحويل الأشرار إلى اشخاص أكثر شرا.

    و قد ظهرت كذلك أنواع و أشكال جديدة من الإجرام اتخذت من الثورة التكنولوجية و العلمية مشتلا لها، لتنمو تتطور في مقابل اتساع مجال الحقوق والحريات الأساسية المعترف بها دوليا، وهذا ما حدا بالبعض للقول بأن العدالة الجنائية لم تعد المرفق الذي ينصف الاخرين بل أصبح في حاجة ماسة لمن ينصفه .

     إلى جانب ما تقدم نستقي أسباب أخرى وراء تردي وضع العدالة الجنائية و التي  تكمن في إفراط المشرع الجنائي في التجريم، الى درجة أن بعض نصوص القانون الجنائي أصبحت مفرغة من محتواها، وتظل أغراضها بعيدة عما يجب ان تكون عليه، لاسيما عند تجريم بعض الأفعال دون ضرورة ،أو أن تواجدها ضمن نصوص القانون الجنائي لفه النسيان و الركود كالتسول و التشرد و الاحجام عن سداد قيمة وجبة الأكل……. وهو ما يستدعي على الأقل إعادة النظر في العقوبات المقررة لها.

     و للخروج من الأزمة التي تعيشها العدالة الجنائية و التي كان سببها العوامل السالفة الذكر، نبادر إلى اقتراح بعض الحلول، أولها إعادة النظر في التركيبة الاجتماعية لأفراد المجتمع و سن نصوص تتوافق و احتياجاتها  مع علمنا أن غالبية نصوص القانون الجنائي ترجع لسنوات الستينات و تصلح لأفراد تلك الفترة ، كما يجب كذلك توفير كافة الوسائل التقنية لمواجهة الجرائم المستحدثة، كذلك ندعوا المشرع فيما سياتي من         تعديلات للقوانين الجنائية من مراجعة العقوبات التي افردها لجرائم ذات طبيعة مدنية ، مع إقرار بدائل جديدة للعقوبة السالبة للحرية والسير على خطى التشريعات المقارنة التي أخذت بها، مع حث كافة مكونات الجهاز القضائي لاسيما النيابة العامة و قضاء التحقيق بعدم اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي الا استثناء، و دون الاعتماد على الاعتقال في المتابعات عندما يتعلق الأمر بالإجرام البسيط.

     و يجب بهذه المناسبة الدعوة الى الرفع من الإمكانيات البشرية و المادية للجسم القضائي، أي زيادة عدد القضاة و باقي الموظفين العاملين بالمحاكم و كافة مساعدي العدالة على اختلافهم، حيث أنه بإعمال هذا الاقتراح سينعكس ذلك إيجابا وبلا شك على مردودية المقررات القضائية و جودتها  ،و بالتالي المساعدة على تخفيف العبء الحاصل على مستوى القضايا الرائجة امام المحاكم، مع استحضار كذلك أهمية العدالة التصالحية في الميدان الجنائي لما لها من حسنات .

    و تأسيسا على  ما تقدم فأزمة العدالة الجنائية تتأرجح بين عاملين الأول تشريعي و الثاني قضائي ،و بالتالي لكي تخرج العدالة الجنائية من هذه الأزمة فلابد و الحالة هاته من اصلاح مكامن الخلل على المستويين التشريعي و القضائي، من أجل المساهمة بشكل إيجابي في إنجاح السياسة الجنائية في بلادنا و اعلان القطيعة مع كل القناعات التقليدية  التي كان يؤخذ بها إلى وقت قريب.