غالبًا ما تتمُّ الاستجابة لطالب العون والإنقاذ بالسرعة القصوى وعلى جميع الحالات، حتّى ولو كان منقذوه لا ينتمي إليه في الهُوية والدين والوطن، واجب الإنسانيّة يحتمُّ على تلبية نداء كلّ ذي محنة، بغض النظر عن قمّة العون والدعم التي هو بحاجة إليها.

العالقون المغاربة الموزّعون على جميع أقطار العالم، لم يتركوا فرصةً إلا ووجهوا فيها نداء استغاثة لذوي الألباب، بأنَّ الوضعَ لا يحتمل وأنَّ المحنة التي هم فيها فوق طاقتهم، وأنَّ مظاهر الحياة قد تغيَّرت عليهم جملةً وتفصيلًا، وألَّا ذنب اقترفوه ليتمّ إبعادهم كلّ هذه المدّة عن الوطن والأهل، مُعاناةُ هذه الفئة لا تقتصر على توفير الأكل والمبيت، فهذا ممَّا يدركه الإنسان أينما ذهب.

معاناتهم تكمنُ في مفارقة حياة ألفوها وأهل تركوهم وتفريق بين آباء وأبناء ومفارقة عمل، والتوجّس من تشتيت أسر أو الطرد من أماكن عملهم ومؤسّساتهم التي ينتمون إليها، فبحسب الإحصائيات، فإنَّ 31 ألفًا من المغاربة العالقين، بينهم أطرُ دولة ومُوظّفون سامون وأعضاء مجالس التشريع ومجالس الجماعات وعددٌ من الأشخاص الذين سيجدون -ولا شكّ- أنفسَهم في إشكالٍ كبيرٍ مع مديريهم في القطاعين العامّ والخاصّ، بحكم تغيّبهم عن العمل لمدّة فاقت الأشهر الثلاثة، قضوها خارج التراب الوطنيّ، منهم من أسعفه الحظُّ ومكث عند أسرهم بهذه الدول ولو اضطرارًا، ومنهم من بحث طويلًا ليجد نصف ضالته في غرف أوروبّا وفنادقها، التي أغلق معظمُها أبوابَهم في وجّه هؤلاء بسبب الجائحة والظروف الاستثنائيّة.

• معاناة أهل البلد.. فما بالك بالضيوف القادمين؟!
مع تأزّم الوضع الجديد الذي فرضه الوباءُ المستجدُ (كوفيد 19) وتغير نمط الحياة في العديد من دول العالم وفي أوجّ ذروة انتشار الوباء، وظهور بوادر أزمة كبرى على جميع الأصعدة حلّ بعضُ المغاربة العالقين ضيوفًا على أهلهم الموجودين في معظم الدول التي علقت بها هذه الفئات، بعضُهم وجدَ نفسَه ضيفًا غيرَ مرغوب فيه أكثر من المدّة اللازمة، والبعض الآخر وجد سعة صدر عند الأهل والأحباب، وأبدى كرمًا غير عادي، وتقاسم مع أصحاب المنح المأوى والأكل والطعام وجميع المستلزمات، وشدّ بيد أخيه، حين تخلّى عنه الوطن بعد أن احتاج إليه وبعد أن فضّل مصلحته على المصلحة العامّة وسلامة الجميع.

حياة جديدة فرضت على العالقين فرادًى ومجموعاتٍ، منهم مَن ذاق الأمرّين، تخلي السلطات الوصية عنه هناك، وتخلّي الأهل والأحباب وتركه في مهب الريح هو ومَن معه، حالاتٌ عديدةٌ سجّلت لبعض العالقين مع أزواجهم وبعض الأولاد لم يسبق لكبار الروائيّين أنَّ جسّدَها في أحد كتبه، حالات تمَّ طردُها من قبل بعض الحاضنين لها، بعد أن زاد الوضع سوءًا؛ بسبب قلة الحيلة أحيانًا وبسبب انعدام ضمير الإخوة في أحايين أخرى، وحتّى الذين تأقلموا مع الوضع ووجدوا خيرَ ملاذٍ آمن في الأخ أو الأخت أو العمّ وابن العمّ، ضاقت نفسها ذرعًا، بعد أن أحسّت بثقل أهل الدار، وأن متغيرات الوباء مسّتهم هم أيضًا، مع تمديد الفترات وقضاء العالقين لأزيد من 60 يومًا تحوّل الأمر من محنّةٍ إلى كارثة، نتائجها حتمًا ستكون وخيمة على نفسية هؤلاء الذين أصبحوا وبالرغم من الدعم المُقدّم لهم من طرف الأهالي والأسر يحسون أنَّهم عالة وأن صعوبةَ عودتهم إلى الوطن وطول إقامتهم هنا حتمًا ستكون له عواقبُ وخيمة إمَّا حرمان من العمل أو تفاقم الديون والأجور الشهريَّة وإما أحوال نفسيّة لا يعلمها إلا الله وهؤلاء العالقون.


• قنصليات المملكة تتقاسم أدوار التضامن مع أصحاب المجتمع المدني بعواصم العالم
لا ينكر عالقُ ما أقدمت عليه بعض سفارات المملكة ومكاتب قنصلياتها، منذ الوقعة الأولى لهؤلاء، وخير ما صنعت، حين قامت بإيواء الأسر والأفراد الذين يعيشون وضعية هشاشته بعد قرار الغلق الذي حلَّ بهم، وهم في دول لا أسر لهم بها ولا رابط، فئة هؤلاء بعضها حالفها الحظُّ والبعضُ الآخر تقادم عليها العهدُ، ولم يجد أيَّ سبيل للوصول إلى هذه المكاتب، وظلَّ ينتقل بين جمعيات الصليب الأحمر ويقتات على ما تجود به الأيادي والجمعيات الأخرى التي يُمثّلها إخوان لهم في الدين أو في اللغة أو الوطن.

هذه الفئة التي لا تدري من أمرها شيئًا، ولم يخدمها الحظُّ وجدت نفسَها تتوسّل بين شوارع أوروبّا وأزقّتها، حين بدأ رفع الحظر التدريجيّ بهذه البلدان، ولكم هو مؤلم تلك الحالات التي يرويها البعضُ عن بعضِ الأسر التي مدّت يدها لأوّل مرّة ليس لقلّة حاجتها، بل لسوء تدبير البعض لهذا الملف الذي انطلق مائلًا، وظلّ مائلًا حتّى عند اقتراب نهايته.

سيكونُ من العسير على هؤلاء العالقين، خاصة المُمتحنين منهم أشد امتحانٍ أنْ ينسَى ما مرَّ به حين قرَّر الوصي على شؤونهم أن يُعالجَ الملف دون أيّ تسرّع غير عابئ بمعاناة البعض أو استخفها بحكم أنَّ أغلب هؤلاء سيّاحٌ، ولا ضرر في تركهم على حالهم إلى أجل مُسمّى، ونسي الأخير ولعلّه تناسى أنَّ أسوأ ما يُمكن أن يحسّه المرءُ هو فراغ الحسِّ الوطنيِّ، وتركه عرضةً لقرارات طائشة تتقاذف مصيره هنا وهناك، إحساس صعب ذاك الذي سيحتفظُ به هؤلاء طويلًا في ذاكرتهم التي ستُخزّن هذه المعاناة، معاناة قضاء شهر رمضان والعيد، وأيّام المحنة في أوطان مُغترّبين، لا هاجس يلاحقهم سوى التخلّص من عبء الإحساس بأنَّهم عالة على الآخر وأنَّ عليهم أن يُراعوا حركاتِهم وسكناتهم في هذه الإقامات كيفما كانت لتمرَّ هذه الكربة بسلام.

• مواطنون من طراز خاصّ
بعد مرور العيد السعيد الذي عاشه أغلب هؤلاء العالقين لأوّل مرّة، بعيدين عن الأهل والأحباب -معنى الأهل هنا يعني أمّ وأبّ وأولاد وإخوة وكل ذي صلة قريبة- غيّبته قرارات جدّ متأخرة عن فرحة اللقاء بالأهل في هذه المناسبات، وهذه أمورٌ لا تُوصف بل تُعاش بعد فترة العيد، التي تزامنت مع رفع الحجر وعودة الأمور إلى طبيعتها في أغلب هذه الدول، حيث لم يعد أي معنى لوجود هؤلاء العالقين بمنازل أسرهم أو مُشتّتين في فنادقَ ووحداتٍ سكنيّةٍ يرتقبون بفرح شديد تخفيف الإجراءات، ورفع الحظر عن الوطن الذي لم يغب عنهم، ولو لحظة واحدة، وراقبوا ولو مِن بعيد تسجيل حالات الإصابة، رافعين أكفهم بالدعاء أن يحفظَ الوطن وأهلَه من شرّ البلايا، وسط هذه الفرحة والبشرى بهذه الإجراءات تفاجأ معظم العالقين بتنظيم رحلة استثنائيَّة قدم على متنها إلى الوطن أشخاصٌ مثلهم لا يفرق بينهم، سوى أنَّ هؤلاء مهندسين وأطرًا عُليا في شركة «رونو» وهم مواطنون عاديون ينتظرون انفراج كربة جمعت بينهم في المحنة وفرّقت بينهم في العودة.