إذا عرف الشرع الطلاق بكونه انفصال أحد الزوجين عن الآخر، فعلماء الفقه عرفوه بحل عقد النكاح بلفظ صريح أو كناية مع النية، حيث تتباين ألفاظه بين الطلاق و السراح و الفراق.. بتعدد أنواعه، ..
و بعد إلغاء مدونة الأحوال الشخصية التي أعطت للزوج فقط صلاحية التطليق، جاءت مدونة الأسرة بنهج جديد فعرفته بحل ميثاق الزوجية، حيث يمارسه الزوج و الزوجة كليهما، كل بحسب شروطه، تحت مراقبة القضاء و طبقا لأحكام هذه المدونة. أثار تقرير كانت قد كشفت عنه الشبكة المغربية للوساطة الأسرية من خلال ندوة لها، ضجة و تساؤلات كثيرة من قبل مستخدمي وسائل التواصل الإجتماعي.

حيث رفع التقرير الستار عن 100 ألف حالة طلاق سنويا، حسب وزارة العدل.
لكن على اعتبار وجود عدة أنواع من الطلاق من بينها التطليق الذي فاق عدد ملفاته السنة الماضية، 97 ألفا و 129 ملف، و 10 ألاف ملف تطليق سنة 2016 وحدها، فضلا عن الأنواع الأخرى لإنهاء العلاقة الزوجية.. فالواقع إذن يفوق عدد المائة ألف -المصرح بها- بكثير.فقد سجلت الإحصائيات 40 ألف طلاق سنة 2013, مقابل 100 ألف حالة سنة 2017, أي بمعدل 8333 حالة طلاق شهريا، و 277 حالة في اليوم، فهل نسبة الإرتفاع المهولة المسجلة في غضون أربع سنوات، و الواضحة جليا، تظهر شيئا بديهيا و مقبولا!

بعدما رحب المغاربة حينها بمجيء مدونة الأسرة و اعتبروها طفرة حقوقية في القانون المغربي، هدفها الحفاظ على تماسك الأسرة بشكل عام، و احترام حقوق المرأة الذي طالبت به جمعيات الدفاع عن حقوق المرأة لسنوات، حيث يظل أهم ما في المدونة، اتباع خطوات للطلاق، يبث فيها قاض مختص، بعدما كان الإنفصال يتم بشكل انفرادي من قبل الزوج.أعزى بعض الحقوقيين من جهة أخرى، ارتفاع نسب الطلاق الى اعتماد مدونة الأسرة اجراءات و معاملات دخيلة، كطلاق الشقاق الذي يعتبر مسطرة سهلة جدا، أصبح الأزواج يلجأون إليها لأتفه الأسباب، حيث يعتبر نوع الطلاق الأكثر شيوعا.

بينما يرجع المختصون الطلاق إلى أسباب عدة، نذكر منها الأسباب الجنسية و النفسية، فارق المستوى الثقافي و اختلاف درجة الوعي، تباين المستوى الاجتماعي، الفقر، الهشاشة .. عامل فرق السن.. ثم ظاهرة التطور التكنولوجي الذي حال دون حماية نواة المجتمع المتمثل في الأسرة، بل فاقم من حدة الوضع، كما صرحت به الرابطة المغربية للمواطنة و حقوق الإنسان، فوسائل التواصل الإجتماعي خاصة الواتساب و الفيسبوك، شكلا جزءا كبيرا من الخلافات الزوجية التي وصلت إلى حد الطلاق، بسبب تفشي ظاهرة الخيانة الزوجية الإلكترونية، المنتشرة خاصة بين فئة الأزواج الشباب.بينما يوجه البعض أصبعه إلى مكان الخلل، المتمثل في فشل مسطرة الصلح القضائي، المنصوص عليه في مدونة الأسرة، حيث تعد نسبه ضعيفة جدا، بل تميل الى شبه منعدمة.

كشفت ذات التقارير، تفضيل المغاربة جلهم، للشقاق بدل الاتفاق، ما يضع معضلة غياب التواصل و الحوار، أو بالأحرى انعدامهما، على الواجهة. حيث يفسر المختصون تفضيل اللجوء إلى مسطرة التطليق للشقاق عوضا عن الطلاق الرجعي، نظرا لسهولة هاته المسطرة و اختيار إنهاء العلاقة الزوجية بشكل سريع و سهل.فقد أفاد التقرير الصادر عن فيدرالية رابطة حقوق النساء تحت عنوان “14 سنة من تطبيق قانون الأسرة”، الارتفاع العجيب و المهول الذي انتقل حسب الإحصائيات من 7213 حكم سنة 2004, إلى 40.850 حكم سنة 2013, و بلغت 46.801 في حدود سنة 2016. بينما أكد التقرير ذاته أن الطلاق الرجعي سجل منحنى تنازليا منذ صدور مدونة الأسرة. بينما يعيب البعض على مدونة الأسرة مستجد طلاق الشقاق، ترى الفيدرالية من خلال تقريرها، أن مسطرة التطليق للشقاق المقدمة من قبل الزوجة، تخفي في جل الأحيان إن لم نقل دائما، نوعا من المساومة و الإبتزاز للتنازل عن مستحقاتها.. ليتغير بذلك مضمون طلاق الشقاق إلى طلاق خلعي، دافع الزوجة الواحد، و همها الوحيد فيه، البحث عن الخلاص مما تعانيه من مآسي و معاناة نفسية، جسدية أو عاطفية.

فأين نحن اليوم من ” إن أبغض الحلال عند الله الطلاق”، في حين أصبح الزواج عقد متعة قد لا تتعدى الشهر الواحد، فصار الطلاق نصب الأعين يوميا، كإجراء بسيط يخلو من كل إحساس بالذنب أو بضرورة و اقتضاء مراجعة القرار مرات و مرات..لكن الأجدر أن نذكر بأن الطلاق في بعض الحالات واجب عند استحالة العيش سويا، بل هو أرحم في بعض الحالات التي لن ينعكس استمرار العلاقة فيها سوى سلبا على كل أفراد الأسرة، لكن الحكمة فيه أن يتم بتراضي الطرفين، و بالحوار و الحل المرضي للطرفين و الخروج بأقل الأضرار، بعيدا عما نراه اليوم من مهزلة الطلاق، و الصراعات الناتجة عنه، و التي تخلف في جل الأحيان عدوين، و ليس طليقين، تروح غالبا ضحيتها نساء مغلوبات على الأمر.. فأين نحن اليوم من ” عاشروهن بمعروف أو اسرحوهن بإحسان”؟