صدر حديثًا عملٌ روائيٌّ قيّمٌ للأستاذ الباحث محمد العربي مشطاط، تحت عنوان: «ثورة الحشيش»، عن منشورات سليكي أخوين بمدينة طنجة. وذلك فيما مجموعه 176 صفحة من النوع الصغير؛ وقد غطت الرواية قضايا تاريخيَّة وتراثيَّة وثقافيَّة واجتماعيَّة وأسطوريَّة خاصة بالمجتمع الغُماريّ؛ وبالضبط ثقافة وتراث ساكنة مدشر أمغوص الَّذِي يقع في جماعة تاسيفت بتربة قبيلة بني زجل الغمارية.

وحديثا صار المُثقّفون من أبناء القبيلة الغمارية يميلون إلى تناول الحديث عن تراث منطقتهم، سواء فيما يتعلق بالشقّ التاريخيّ، من قبيل أعمال الأستاذ محمد أثار الزجلي، والأستاذ سعيد أعراب وغيرهم… بالإضافة إلى طائفة أخرى اهتمّت بالجانب الأدبيّ، من قبيل الروائي المعروف بالأستاذ محمد التهامي الوزاني، والأستاذ هشام مشبال، وأخيرًا ولي آخر الأستاذ الباحث محمد العربي مشطاط.

  • التعريف بالمؤلف:

هو الأستاذ محمد العربي مشطاط الزجلي، ينتسب إلى أسرة آل مشطاط الغُماريّة الزجليّة، الَّتِي استقرّت بقبيلة بني زجل الغمارية، ويوجد عقب لها في كلّ من قبيلة بني سعيد وبني زيات الغماريّة. وقد ولد 16 يوليوز من سنة 1972. بثغر طنجة المحروس، وقد تلقّى تعليمه الابتدائي والثانوي بنفس المدينة.

  • سيرته ومكانته:

– السنة الثانية من سلك الدكتوراة في الرواية المغربية من كلية الآداب بمرتيل.

– ماستر ترجمة تواصل صحافة، مدرسة فهد العليا للترجمة بطنجة.

– الإجازة في اللغة العربية وآدابها من كلية الآداب بمرتيل.

– ساهم في تأسيس بعض الصحف المحليّة والجهويّة والوطنيّة.

– كاتب روائي، شاعر، ومترجم.

– كتب العديد من المقالات في الصحف المحلّيَّة والجهويَّة والوطنيَّة، الورقيَّة والإلكترونيَّة.

– ترجم العديد من المقالات من الفرنسيّة إلى العربية.

– أستاذ اللغة العربية منذ سنة 1998.

– يعمل حاليًا أستاذًا للغة العربية في الثانوية الدولية الفرنسية البوغاز بطنجة.

– مدير مركز التكوين التربويّ واللغويّ.

– عضو اتّحاد كتَّاب المغرب.

– الأمين العام سابقًا لمنظمة التعاون الإفريقي جنوب جنوب.

– رئيس سابق لجمعية النجوم للتنشيط الثقافيّ والرياضيّ.

– عضو في جمعية الدفاع عن اللغة العربيّة.

– عضو جمعية التعليم الخصوصي، رئيس فرع طنجة.

– أصدر العديد من المُؤلّفات.

  • في مجال البحث والدراسة:

1 – قانون الزوجية مدخل إلى نظرية الضدية التآلفية سنة 2002.

2 – المدرسة الخاصة مزايا وقضايا سنة 2006.

3 – الرسالة الخالدة سنة 2016.

  • في مجال الكتابة الإبداعية:

1 – شرف الروح (رواية) سنة 2009.

2 – جحور وأوكار (رواية) سنة 2011.

3 – لعنة الرحيل (رواية) سنة 2012.

4 – الكسيح (شعر) سنة 2013.

5 – بائع الشمع (رواية) سنة 2015.

6 – ثورة الحشيش (رواية) سنة 2018.

  • له تحت الطبع:

-مجموعة قصصية مترجمة عن الإسبانيّة.

– يعمل حاليًا على ترجمة رواية من الفرنسية إلى العربية.

كما ويُعدُّ أيضا من الأساتذة الَّذِينَ اهتمّوا وبشكل كبيرٍ بمجال النقد قبل الكتابة الروائية، وصدر له في هَذَا الصدد مجموعةٌ من الأعمال القيّمة من قبيل مدخل على نظرية الضدية التآلفية، والمدرسة الخاصة: مزايا وقضايا، وأعمال روائية وشعرية أخرى من قبيل شرف الروح –رواية، الكسيح –ديوان شعري، وغيرها من الأعمال الَّتِي ميَّزت مسيرة الكاتب منذ إصدار أول كتاب له سنة 2002، والموسوم بـ «مدخل إلى النظرية الضدية».

  • وصف الرواية:

يقع هَذَا العمل في نحو 176 صفحة من الحجم الصغير، يحتوي على أربعة أبواب، كل باب يضمّ ثلاثة فصول، كل فصل يحتوي ما بين 15 إلى 20 صفحة. يتكوّن الغلاف الخارجي للرواية من ألوان محدّدة، يتداخل فيها اللون الأخضر مع الأزرق السماوي؛ وهذان اللونان يُعبّران عن جدلية الحياة والموت، والحبّ والانتقام، والسعادة والشقاء، والأمل والانكسار، والطموح والانهزام.

وتمتدّ وسط الرواية صورةٌ فوتوغرافيةٌ لقارب مطاطي يرسو على الشاطئ، وراءه بحر هادئ يخفي الكثير من الحزن الَّذِي غلَّفته الغيوم الداكنة؛ والظاهر أنَّ فراغ القارب المطاطي من الناس يُعبّر عن غرق من ركبوه في مسيرة البحث عن الحياة من الضفة إلى الضفة؛ وهَذَا المشهد يعيد إلى الأذهان الواقع الَّذِي أصبحت تعيشه القُرى الغماريَّة في وقتنا الراهن من مشاكل خطيرة عجَّلت بفرار الكثير من الأهالي نحو المدن المغربيَّة والدول الأجنبيَّة؛ طمعًا في تحسين الأوضاع. ولمن لَمْ تسعفه الظروف فقد يضيع بين واقع لا يقدم ولا يؤخر، وحبال لا تعطي لمرتاديها أي فرصة لإعادة النظر في القرار.

بالإضافة إلى الألوان والصورة، نجد في أعلى الرواية اسم المؤلف وقد كتب بخطّ مُتوسطٍ، وتحته نجد عنوان الرواية المكتوب بلون أخضر داكن، ويُعبّر عنوان الرواية الموسوم بـ: «ثورة الحشيش» على القفزة النوعية الَّتِي عرفها المجتمع الزجلي منذ بداية منتصف القرن العشرين؛ هذه القفزة الَّتِي ستُغيّر بنية المجتمع الزجلي بالخصوص والغماري بالعموم في مناحٍ عديدة؛ حيث سنلمح من خلال قراءتنا لمضمون الرواية على أنَّ البنية المُجتمعية والثقافيَّة والدينيَّة ستعرف ثورة ستقوّض المفهوم التقليديّ للأعراف والتقليد، وستعرف مجموعة من التقاليد والقيم ذوبان كُليًّا بسبب هَذَا الزائر الجديد الَّذِي لن يترك بيتًا إلا وخرَّبه من الداخل والخارج.

  • مضامين الرواية:

تحتوي الرواية على نحو أربعة أبواب، كلّ بابٍ يحتوي على نحو ثلاثة فصول، كل فصل يحتوي على حوالي 15 إلى 20 صفحة. كما يضمّ الباب الأوّل المعنون بـ: «النزوح» على نحو ثلاثة فصول، كلّ فصل يضمّ موضوعًا خاصًّا يختلف عن سابقه، إلا أنَّ هذه المواضيع يربط بينها خيط رفيع جدًّا، ساهم وبشكل كبير في تلاحم أجزاء هَذَا العمل القيّم، وهو عامل التاريخ؛ فأول ما استهل به الروائي الغماري هَذَا العمل القيم هِيَ: «حكاية المداح»، هذه الحكاية الَّتِي اقتفى أثرها من الرصيد الشعبي للساكنة الغمارية، ومختصر هذه الحكاية أنَّ شابة توفيت أمها وتزوَّج أبوها، صارت تعيش حياة البؤس والحرمان بسبب ظلم زوجة الابن وابنتها، وسيتناسل الصراع بين الطرفين تدريجيًّا مع زوجة الشريرة ليؤدي في الأخير بزوجة الأب وابنتها إلى قتل الفتاة ورميها في الوادي…. وستتسلسل أحداث الحكاية لتصل إلى المداح الَّذِي اتّخذ من جلد بنديره بجلد الفتاة الَّتِي جرَّفها تيار الماء…. الَّذِي سرعان ما اندهش من صوت رخيم يُصاحب ضربه على البندير كلما همّ بالضرب عليه قائلًا:

– امدح يالمدح…امدح يالمدح…

راني ايتيمة أو مسكينة

امدح يالمدح…امدح يالمدح…

بابا مشا يصاد وانا بقيت مع الغبينة

امدح يالمدح…امدح يالمدح…

انت من رجال الله

ف الدشار أو المدينة

امدح يالمدح…امدح يالمدح…

وتستمرّ هذه الحكاية المأخوذة من رحم التراث الشعبي الغماري -الَّتِي طالما جلس الأحفاد لينصتوا إليها من طرف الأجداد أو الأمهات… إلى أن تصل إلى مرحلة ستأخذ فيها العدالة مجراها في حقّ زوجة الأب وابنتها اللتين ساهمتا في قتل الفتاة غيرة وحسدًا… وستستمرُّ هذه الحكاية في التنقّل بين لسان ولسان إلى أن تصل إلينا على هذه الصيغة الحزينة… وتوظيف الروائي لهذه الحكاية الحزينة أعطى مؤشرًا على أن الكاتب سيستعين بالثقافة المحلّيَّة في هَذَا العمل من جهة، كما سيستعين بالتاريخ المحلي للقبيلة من جهة أخرى، مع توظيف للتغيرات الَّتِي أصبحت القبيلة تعيشها بعد الاستقلال مباشرة، وهَذَا ما سنتعرف عليه في الفصول المقبلة من هَذَا العمل.

بعد ذلك ينتقل السارد إلى الفصل الثاني الَّذِي عنونه بـ: «تاسيفت من غمارة» حديثه عن تاسيفت، وهي قرية هادئة تقع في قبيلة بني زجل الغُمارية، حيث يُحدّثنا في هَذَا الفصل عن الحياة البدوية الَّتِي يعيشها أهل مدشر أمغوص الزجلي، واصفًا بكلّ دقة حياة الرعي والقنص والفلاحة وتدبير شؤون البيت لدى الأسر الزجليَّة.

بالإضافة إلى ذلك يُبحر بنا الكاتب في زوايا مُختلفة من حياة المجتمع الزجلي هِيَ أشبه بالمتناقضات، فبالرغم من كون الأسر الزجلية محافظة وتبذل جهدًا جهيدًا من أجل تدريس أبنائها الذكور القرآن وعلوم الدين داخل المراكز العلميّة في القبيلة أو في مدينة فاس عاصمة العلم الشرعي حينها، فإنَّها في المقابل كانت تترك بناتها يقمن بمهمة الرعي والحصاد وجلب الحطب وغيرها من الأمور المتعبة، الَّتِي كانت تثقل كاهل المرأة منذ نعومة أظافرها.

وقد استعرض السارد في هَذَا الصدد قصّة الشابة الصغير فطنة، الَّتِي كانت تقوم بهذه المهمة الصعبة، حيث كانت تتكبّد عناء التنقل في الجبال والوهاد من أجل رعي الماعز، متحدية بذلك عوامل الطبيعة من قبيل المطر وصعوبة المسالك، وكذلك متحدية الضواري الَّتِي كانت موجودة بالمنطقة وبشكل كبير، -وخصوصًا بنات آوى والثعالب وحتّى الخنازير البرية الَّتِي كانت تجول وتصول حتى بالقرب من المداشر، فكثيرًا ما كانت تنتقل بين الحقول محدثة أضرارا فظيعة وهي تنبحث عمَّا تقتات به من حشرات وفضلات قد يتركها الإنسان بين الحقول.

بالإضافة إلى الإكراهات الطبيعية، كانت البطلة الصغيرة في تحدٍ صعب مع الوحوش البشرية (الجيلالي)، الَّتِي كانت تارة تستغل براءة الأطفال وسذاجتهم من أجل قضاء نزواتهم الحيوانيَّة بعيدًا عن أعين العامة، وخصوا إذا كانت الأجواء مناسبة من قبيل الحرّ أو المطر وغيرها… بالإضافة على ذلك كله، ينقل لنا السارد جانبًا من اللغة العامية الَّتِي يستعملها المجتمع الزجلي، الَّتِي هِيَ خليط من عربية ركيكة، وكذا أمازيغية تعرَّضت مع مرور الوقت إلى التحريف الجزئي، حتى لم يعد الناس هناك يعرفون أصولها، من قبيل كلمة أكبدي، وكسي، آيسي… وغيرها، كما يحضر في هَذَا العمل توظيف بعض الأمثال العامية، الَّتِي تقوم بوظيفة النصح أو الزجر أو الوعظ في بعض الأحيان.