أصبح الاعتداء الجنسي على الأطفال من موضوعًا يحظى بكثير من اهتمام ومتابعة الرأي العام المحلّيّ والوطنيّ، من قضية عدنان بطنجة إلى قضية فقيه الزميج ومحمد علي بالعرائش ونعيمة بزاكورة وغيرها الكثير والكثير. هذا الاهتمام الكبير وغير المسبوق بجرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال، يدفع إلى طرح مجموعةٍ من الأسئلة بشأن وضعية الطفل في المجتمع المغربيّ، وعن حقوقه الَّتِي تكفلها المواثيق الدوليّة والتشريعات المحلّيَّة، وكذا تسليط الضوء على الاعتداء الجنسيّ على الأطفال، من حيث هو ظاهرة اجتماعيّة ومساءلة عناصرها وعوامل استفحالها.

  • حماية الطفولة المغربية.. تشريعات ومؤشرات

في تصريح لمرقع “لاديبيش 24” تُشير الناشطة الحقوقيّة بالجمعية المغربيّة للحقوق زينب السايح، إلى أنّ المغرب كغيره من البلدان، صادق على مجموعة من الإعلانات والعهود والاتّفاقات الدوليّة العامّة وكذا الخاصّة، الَّتِي تُعنى بحقوق الطفل، وتُلزم بضرورة احترامها؛ لكن على مستوى التطبيق نجد نقصًا كبيرًا في العناية وحماية الطفل على المستوى القانونيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ والصحّيّ.

فالمغرب وعلى الرغم من التقدّم الطفيف الذي حققه بانتقاله من المرتبة 75 إلى المرتبة 72 عالميًّا في مؤشر حقوق الطفل لسنة 2020، فإنّه صُنّف أيضًا خلف كلّ من الجزائر ومصر وتونس. وزيادة في التوضيح فإنّ هذا المُؤشّر يعتمد تقييم خمس مجالات حصل المغرب فيها على:

-الحقّ في الحياة المرتبة 82.

-الحقّ في الصحة المرتبة 88.

-الحقّ في التعليم المرتبة 99.

-الحقّ في الحماية المرتبة 68.

-البيئة التمكينيّة لحقوق الطفل المرتبة بين 88 و97.

كما أنَّ المنظومة القانونيّة المغربية لم يُجرَ وملاءمتها والقوانين الدولية المُتعلّقة بحقوق الطفل كقانون الأسرة في ظاهرة تزويج القاصرات، وقانون العاملين المنزليّين الَّذِي لا يقر سنّ 18 سنة كشرط للعمل.

في حين اعتبر الطيّب بوشيبة المنسق الجهوي لمنظمة “ماتقيسش ولدي” أنّ القانون الجنائي المغربي ما زال عاجزًا عن الإجابة على مجموعة من التحدّيات، خاصّةً المرتبطة بالجريمة الإلكترونية، الَّتِي تتطوّر باستمرار، في حين أنّ مسألة كاختفاء الأطفال لا تزال رهينة جهود الأسر وحملات مواقع التواصل الاجتماعي، الطفل المغربي عارٍ عن الحماية حتّى إشعار آخر.

وأضاف بوشيبة، أنّ المجتمع المدني ظلّ يُناضل لسنوات من أجل إلغاء مقتضيات تزويج المُغتصبة بالمغتصب، ولم يُنفّذ ذلك -للأسف- إلا بعد انتحار المرحومة أمينة الفيلالي، وهذا من أكبر الأدلة على أنَّ المنظومة التشريعيّة في المغرب تغيبُ عنها النظرةُ الاستباقيّةُ

  • مغرب جدير بأطفاله.. السياسات العمومية

وفي تصريحه لمرقع “لاديبيش 24” يتحدّث الطيب بوشيبة مُنسق منظمة “ماتقيسش ولدي” عن نقصٍ كبيرٍ في الوعي بقضايا الطفولة ليس في أوساط المواطنين فقط، وإنَّما حتى لدى المسؤولين، فمثلًا عندما يتحدّث مسؤولون بقطاع السياحة، عن أنّهم غير مسؤولين عن الأمور المتعلقة بالطفل، يُطرح السؤال مَن المسؤول عن وجوب وضع علامات منع ولوج القاصرين للملاهي الليلية؟! هذا يشير إلى غياب وعي المسؤولين بعلاقة القطاعات التي هم مسؤولون عن تديرها بحقوق الطفل، وهم في الغالب يتعاطون مع المجتمع المدني بشكل موسمي، وأحيانًا بشكل انتقائي، وهذا الأمر أيضًا وقع لنا كمُنظّمة مع كلّ من الجماعة ومجلس الجهة، قبل أن يُتدارك الأمر بعد مواجهتنا لهم بالمقتضيات القانونية ذات الصلة.

كما أنّ منظومتنا التعليميّة أيضًا تعرف تشرذمًا بين العتيق والقطاعين العام والخاص، هل هذا النوع من التعليم يجيب عن سؤال أي طفل مغربي نريد؟ أكاد أقول إنّ المغرب غير جدير بأطفاله إذا استمرَّ التعاطي مع قضايا الطفولة بنفس الطريقة الحالية.

وفي نفس الاتّجاه تتحدّث الناشطة الحقوقية “زينب السايح” عن كون الاختيارات السياسيّة الَّتِي يبناها المغرب تضرب في العمق مجانية الصحة والتعليم ومجموع الخِدْمات الاجتماعية، يزيد ذلك سوءًا الفوارق المجالية بين العالمين القرويّ والحضريّ، وضعف ميزانيتي الصحة والتعليم، بينما يتطوّر القطاع الخاص بشكل متسارع ودون أي تقييم لعواقب ذلك.

  • مطالب عاجلة.. حماية الطفولة المغربية هنا والآن

 طالب الطيب بوشيبة، الناشط في مجال حقوق الطفل، بخلق نظام للإنذار بالاختفاء يربط أسرة الطفل المختفي بمؤسّسة النيابة العامّة من جهة، ويربط هذه الأخيرة بالإعلام الرسمي والخاص من جهة أخرى، وهو الأمر الكفيل بضمان تسريع البحث عن الأطفال المُختفين.

 ودعا كذلك إلى، الانتقال من المنطق التدخلي الموسمي إلى نظيره الاستباقي الاستراتيجي، وعدم التسامح مع المُعتدين جنسيًا على الأطفال وتشديد توحيد العقوبة في مواجهتهم. كما أشار إلى ضرورة تنزيل وتشكيل المجلس الاستشاري للطفولة والأسرة الوارد في مقتضيات دستور 2011، مع تصنيف الحقائب الوزاريّة المُتعلّقة بالطفولة كوزارات سيادية.

 وطالبت الناشطة الحقوقية، زينب السايح، بضرورة تشديد العقوبات على جرائم الاغتصاب وعدم تمكين مرتكبيها من حقّ العفو أو الإفلات من العقاب، وشدّدت أيضًا على ضرورة إلغاء كلّ المقتضيات القانونيّة، الَّتِي تتعارض مع الالتزامات الدوليّة للمغرب، خاصّةً مسألة تزويج القاصرات وإقرار سنّ 16 سنة بالنسبة للعاملين المنزليّين، وكذا وقف مسلسل المصادقة على “عهد حقوق الطفل في الإسلام” الَّذِي أقرّته مُنظّمة التعاون الإسلامي لتعارضها مع المواثيق الدوليّة لحقوق الإنسان، خاصّةً اتّفاقية حقوق الطفل.

وفي تصريح سابق، دعا الدكتور نورالدين دحان، اختصاصي طبّ الأطفال، إلى ضرورة العمل على خلق شُعب تكوين في اختصاص تشخيص الاعتداءات الجنسيّة على الأطفال، من أجل تشكيل طواقم مُتخصّصة في التشخيص والعلاج، سواء بمصالح الأمن والقضاء أو قطاع الصحة العموميّ والخاص أيضًا. كما يجب أيضًا مُواكبة الجناة السجناء بتهم الاعتداء الجنسي بالعلاج حتّى لا يواصلوا ممارسة نفس السلوك في المؤسّسة السجنيّة.