يقول مالك بن نبّي «إنَّ القيمة الأولى في نجاح أيّ مشروع اقتصاديّ هِيَ الإنسان، ليس الاقتصاد إنشاء بنك وتشييد مصنعٍ، بل هُوَ قبل ذلك تشييد إنسان وتعبة الطاقات الاجتماعيَّة في مشروع تُحرّكه إرادة حضاريّة».. لأزيد من تسعة أشهر ومدينة الفنيدق تعيش وضعًا اقتصاديًا مُقلقًا، وذلك عقب إغلاق حدود المدينة مع الثغر المحتلّ في 19 مارس الماضي والمستمرّ إلى حدود اليوم، دون تحديد تاريخ مُعيّن لإعادة فتح المعبر، الَّذِي كان يُمثّل متنفسًا اقتصاديًا للعديد من الأسر ممَّن يمتهنون التهريب المعيشي.

وتُعاني المدينة الموجودة أقصى شمال المغرب، على ساحل البحر المتوسط، احتقانًا غير مسبوقٍ نتج عنه عدّة وقفات احتجاجيَّة للمطالبة بإعادة فتح الحدود، ناهيك عن مطالبات جمعيات المجتمع المدني ببديلٍ حقيقيٍّ يقي الناس مرارة الفقر والمعاناة.

ويُمثّل الثغر المحتل مصدرَ دخلٍ للعديد من المغاربة، الَّذِينَ يعيشون في مدن شمال الفنيدق (مرتيل وتطوان والمناطق المجاورة) عن طريق نقل البضائع من وإلى المدينة المحتلة، وهُوَ الشيءُ الَّذِي يُخلّف فرصَ عملٍ لمُمتهني التهريب رغم قساوة هذه المهنة.. اليوم وبعد أن أغلقت سبتة أبوابها أمام مُمتهني التهريب، تقطَّعت السبل بهؤلاء الأشخاص، وتراكمت الديون، وساءت أحوال المعيشة، الكثير من المشاكل رافقت الإغلاق بدءًا بالأشخاص الَّذِينَ فقدوا وظائفهم، الَّتِي اشتغلوا فيها لأزيد من عشر سنوات بسبب عدم قدرتهم على دخول المدينة، وآخرون توقَّفت تجارتهم، وبين هَذَا وذاك، انطلقت المعاناة الحقيقية في غياب أيّ بديلٍ حقيقيٍّ للساكنة، وما يُزيد الطين بلّة صمت المُنتخبين، وعدم طرحهم أي بدائل لانتشال المدينة، الَّتِي يبلغ عددُ سكَّانها أزيد من 78 ألف نسمة، وشهدت الوضعية عند المعبر الحدوديّ بمدينة الفنيدق، تطوّرات كثيرة أدَّت إلى فتحٍ نقاشٍ عموميٍّ حول الجوانب الإنسانيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة لهذه الإشكاليّة، بما يمكن من تطوير المناطق الحدوديَّة وتوفير بديل مستدام لساكنة المناطق المحيطة.

موقع «لاديبيش 24» استقت آراء جمعويّين وحقوقيّين بالمنطقة، حيث قال أيوب السعود، فاعل سياسيّ وجمعويّ بالمدينة، «لا يختلف اثنان اليوم عن أنَّ الوضعَ الاقتصاديَّ بالفنيدق، أصبح مزريًّا ومُهدّدًا بالانهيار في أيّ لحظة بسبب تداعيات قرار إغلاق معبر باب سبتة، وما خلَّفه من آثار سلبيَّة على اقتصاد المدينة ومحيطها، والحقيقة أنَّ هَذَا القرار غير عادل، ولا يُراعي خصوصية المدينة، الَّتِي -ولفترة طويلة- تنمطت على نمطِ اقتصاد تجاريّ مبني بالأساس على نشاط التهريب المعيشي وتجارة الحدود». وأضاف «إغلاق المعبر هكذا دون إيجاد حلّ وسط إنَّما هُوَ حكمٌ بالإعدام على المدينة كلها؛ باعتبار أنَّ التهريب المعيشي هُوَ أصل دينامية الاقتصاد الفنيدقيّ، الَّذِي تتفرّع منه باقي الأنشطة الأخرى الموازية، الَّتِي انهارت بعده، وكانت نتائجها كارثيةً مسَّت الجميع، ولم تُفرّق بين غنيّ أو فقير، بدليل أنَّ المدينة أصبحت تعرف إفلاسًا للمشاريع والمقاولات، وتسريح عمَّالها ومستخدميها، ما أدَّى إلى هجرة شبابها؛ بحثًا عن فرص للشغل في أماكنَ أخرى»، وأبرز المُتحدّث للموقع، «أنَّه ومن هَذَا المنطلق، نحن -شباب المدينة- أطلقنا نداءً استغاثة للتعجيل أوّلًا بفتح «الديوانة» في وجه حركة تنقّل الأفراد والتجارة، لإنقاذ المدينة وساكنتها من مغبّة الضياع والفقر؛ لأنَّه لا يمكن أن نقبل أن نكونَ ضحايا هَذَا الوضع. والمدينة لن تستطيعَ تحمّل مآلات قرارات ارتجاليَّة صيغت في مكاتب مُكيّفة، لم تُراعَ فيها خصوصيتها. ولا يمكن المقامرة بالصبر حتّى التفكير في خلق بديلٍ آخر، قد يكون أفضل من التهريب أو قد يكون أسوأ».

ودعا الفاعل الجمعويُّ الجهات المسؤولة للتفكير على مهل في إيجاد حلولٍ ناجعةٍ وحقيقيةٍ يُمكن الاستناد عليها كبديل اقتصاديّ حقيقيّ للمنطقة، على اعتبار أنَّ نشاط التهريب المعيشي نشاطٌ غيرُ قانونيٍّ ويُشكّل ثغرةً اقتصاديّةً للوطن، ولا يحفظ كرامة المواطن.

من جانبه، أكَّد جمال الدين العشيري، ناشط مدني وشاعر، بمدينة الفنيدق، أنَّ المدينة تعيش في الوقت الراهن على إيقاع أساسه البُؤس والتدهور الشامل على المستوى الاقتصاديّ والاجتماعيّ نتيجة سياسات فاشلة، لم تتأسّس على أدنى الشروط الموضوعيّة، الَّتِي وجب اعتمادها من أجل تجنب مُنزلق الأزمة، الَّتِي باتت واضحة التفاصيل للقريب والبعيد وما بروز مجموعة من الظواهر المُتمثّلة في الهجرة غير الشرعية وارتفاع نسبة المآسي الاجتماعيّة، وتفاقم ظاهرة التسوّل، أحد أبرز المؤشرات الَّتِي تُعدُّ بالملموس عن حجم الكارثة والأزمة الاقتصاديَّة المرفوقة بوضع اجتماعيّ بائس.

وأضاف:  «أمَّا على المستوى المؤسَّساتي فإنَّ الوضع الراهن قد زاد الطين بله، وكشف النقاب عن ضعف النخب والفاعلين المدنيّين وهشاشة التنظيمات المدنيَّة والحزبيَّة، حيث الصمت سيّد الموقف وغموض المواقف، إما نتاج غياب المعطيات والمستجدّات المُتعلّقة بالوضع والسياسات المُعتمدة من طرف باقي المُتدخّلين في الشأن المحلي سواء محليًا أو وطنيًا، أو لكونها لا تمتلك القدرة الكافية لمسايرة الوضع المتأزم نتيجة الانفلات القائم على المستوى الاقتصاديّ والاجتماعيّ».

وتابع: «بديهي أن طبيعة المرحلة تتطلّب عملًا جبَّارًا للتخفيف ولو مرحليًا من حدّة انعكاسات الأزمة على المدينة مع وجوب اعتبار مصلحة المدينة أولوية والعمل على الانخراط الجماعي في مبادرات أساسها المصلحة العامّة ومساهمة الجميع كلّ من جهته بعيدًا عن التجاذبات الفارغة».

وفي السياق نفس، أكَّد يوسف الغالب، ناشط مدني بمدينة طنجة، أنّه يتوجّب على الدولة المغربيَّة وسلطات الاحتلال الإسباني أخذ في الاعتبار كلّ القرارات المتّخذة، واحترام المعايير الدوليَّة لحقوق الإنسان في المعابر الحدوديّة، بعد إعادة فتحها. كما طالب بالسماح لعودة لنشاط البينيّ بين سبتة والفنيدق، إلى أن يتوفّر بديلٍ حقيقيٍّ يضمن كرامة المواطن، والتفكير في خلق حركيّة اقتصاديّة بعد فتح المعبر، داعيًا الدولة إلى العمل على وضع استراتيجيَّة متوسطة وبعيدة المدى لأجل خلق البدائل الاقتصاديَّة للمنطقة في الميدان الصناعيّ والتجاريّ والسياحيّ، والتعامل مع منع الأنشطة غير المهيكلة بشكل تدريجيّ، والابتعاد عن القرارات الصادمة والمفاجئة.

وعلى صعيد آخر، أكَّد عبد النور الحسناوي، رئيس الفدرالية الوطنية للمخابز، وأحد الفاعليين الاقتصاديين بالفنيدق، أنَّ الوضع الاجتماعي والاقتصادي بالمدينة متدهورٌ، وزاد في تدهوره إغلاق المعبر، الشيء الَّذِي أثر بشكل وبآخر في مجموعة من الأسر، وأزَّم وضعهم الاجتماعي ودفع مجموعة من الأسر إلى مغادرة المدينة، بعد أن تقطَّعت بهم السبل في الفنيدق، واعتبر المُتحدّث أن صمت الأحزاب السياسيَّة بالمنطقة يُفسّره غياب التفاصيل عنهم، وعدم اتّضاح الرؤية من ملف إغلاق معبر سبتة المحتلة، الشيء الَّذِي ساهم في عدم إصدار أيّ موقف والترافع عنه ميدانيًّا من طرف الهيئات السياسية بالمنطقة، مُؤكّدًا في الوقت نفسه، أنَّ غياب استراتيجيات واضحة المعالم تتماشى ومتطلبات الساكنة والمنطقة، يُساهم في تفاقم ضعف مساهمة الهيئات المدنية. واعتبر أنَّ الحل يأتي بتظافر الجهود وتوحيد المواقف وخدمة المصلحة العامّة وتسبيقها على المصالح السياسيَّة الضيّقة الَّتِي تفوت على المدينة مجموعةً من الفرص الَّتِي من شانها أن تُقود إلى تنمية حقيقيَّة.

بالنسبة للمغرب، فإنَّ الاستيراد غير القانونيّ للبضائع من سبتة يعيق الاقتصاد المغربيّ بخسارة مبالغ كبيرة من المال يُمكن جنيُها من خلال دفع الرسوم الضريبيَّة. وسبق وأنْ قدَّر المدير العام للإدارة المغربيَّة للجمارك والضرائب غير المباشرة، نبيل لاخضر، في فبراير 2019، قيمة المنتجات الَّتِي تدخل المغرب، عبر حدود سبتة، بما يتراوح بين 6 مليارات و8 مليارات درهم سنويًا (ما بين 550 مليون يورو و8 مليارات يورو (730 مليونًا). وهذه الأرقام تزيد عشر مرات عن صادرات سبتة القانونيّة إلى المغرب والمقدّرة بنحو 47 مليون يورو.

فيما يتعلّق بالضرائب، فإنَّ هَذَا يعادل خسارة 2 و3 مليارات درهم (ما بين 180 و270 مليون يورو) وقال إنّ حظر دخول المنتجات المُهرّبة إلى المغرب يُمكن أن يتمّ بشكل تدريجيّ، خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة، وأضاف: «هذه مبالغ تخسرها خزينة الدولة وإذا أضفنا قضية مليلية يتضاعف الرقم».

كما أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، تقريرًا من عدّة صفحات، أكَّد فيه السياق التاريخيّ والسياسيّ للنشاط التجاريّ في محيط المعبر، مُنذ ثمانينيات القرن الماضي، الَّذِي أدَّى إلى حصولِ تحوّلٍ اجتماعيٍّ كبيرٍ في هذه المناطق، أصبحت معه التجارة الحدوديّة تفرض نفسها بصفتها بديلًا اقتصاديًّا وحيدًا للثغر المحتل، وأشار التقرير الصادر من 17 صفحة إلى كرونولوجية نشاط التهريب، قبل إغلاق المعبر التجاري، مُعتبرًا أنَّ قرار الإغلاق أدَّى إلى توتّر اجتماعيّ، بالنظر لعدم وجود فرص شغل كافية في المناطق المحاذية لمدينة سبتة، مُبرزًا أنَّ ندرة المعطيات الرسميَّة الصادرة والعدد المحدود للدراسات، الَّتِي تتناول موضوع التهريب المعيشي يُصعّب من مأمورية إيجاد حلول ناجعة.

وأورد التقرير، إحصائيات عن عددِ الأشخاص العاملين بهَذَا المجال، والمُقدّر حسب التقرير نفسه، ما بين 8300 و9000 شخصٍ، كانوا يجتازون المعبر الحدودي بسبتة ومليلية معًا، مُحمّلين بمنتجات كالموادّ الغذائيَّة، والملابس المستعملة، والسجائر، والمشروبات الكحوليّة، وإطارات العجلات المستعملة، وقطع غيار السيَّارات، وأدوات التجهيز والمنتجات الصحيّة، إضافة إلى منتجات النسيج وغيرها بما يُقدّر بـ1600 طنّ يوميًا، لكلّ من سبتة ومليلية، بما يُمثّل ما بين 15 مليارًا و20 مليار درهم سنويًّا.

وتابع التقرير، أنَّ الطابع غير المُستدام لسياسية التسامح مع التهريب في المناطق المحاذيّة لسبتة ومليلية تستفيد منه أقلية، وهم المنتجون الإسبان، الَّذِينَ يُوجهون منتجاتهم بكيفية غير قانونيّة إلى المغرب عبر سبتة، كما أنَّ الاستفادة أيضًا تكون على حساب غالبية المواطنين والفاعلين الاقتصاديّين المغاربة؛ لأنَّ مُمتهنات التهريب المعيشي يعملن في ظروف غير لائقة ومحفوفة بالمخاطر، حيث إنَّ المبالغ المُتحصّل عليها تتراوح بين 100 درهمٍ و150 درهمًا في اليوم.

وحدَّد التقرير، مجموعةً من العوامل، كانت وراء استمرار التهريب، عبر ثغري سبتة ومليلية، عوامل تاريخيَّة وأخرى سوسيو اقتصاديّة، منها الفوارق التنمويّة بين المغرب والجارة إسبانيا، الفوارق في الأسعار بين المنتوجات، الَّتِي تمر عبر سبتة ومليلية. وخلص التقرير، إلى أنَّ إغلاق المعبرين في الفترة الأخيرة، بمنزلة إجراء ضروري، لكنَّه لا يمكن أن يقوم مقام اعتماد مقاربة تنمويّة مندمجة للمناطق المحاذية للثغرين السليبين.

ويرمي المجلس الاقتصاديّ والاجتماعيّ والبيئيّ، من وراء هَذَا التفكير، إلى بناء رؤية يقترحها على السلطات العموميّة؛ لدعم ممتهني التهريب المعيشي، لا سيَّما النساء منهم، في اتّجاه مزاولة أنشطة مُنتظمة، على المدى القصير، تُخصّص حلولًا بحسب الفئات السوسيو مهنيّة للمناطق المعنية، إلى جانب التفكير على المديّين المتوسط والطويل في إعادة بناء التوجّه الاقتصاديّ للمناطق المحاذية للثغرين، كإنشاء ممرّ صناعيّ يُعبّر الشريط المتوسطي الممّتد على المحور اللوجيستيكي من طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط، وتأهيل البُنى التحتية الَّتِي تربط بين هذه المناطق، وتوفير نظام ضريبيّ وعقاريّ مُستقطبٍ للاستثمار واتّخاذ تدابيرَ تحفيزيَّةٍ في إطار سياسة إراديَّة لفائدة منافذ قطاعيّة قادرة على امتصاص الشباب الحاصل على شهادات وإفاء توجّه سياحيّ مُتجدّد ومستدام ومترابط على المناطق الواقعة على طول الساحل الشمالي للمملكة.

انطلاقًا ممَّا سبق، يبدو الوضع في المدينة جدّ مُقلقٍ، يستدعى تدخّل كلّ الفاعلين والمُهتمّين والجهات المسؤولة؛ لإخراج المدينة وشبابها من عنق الزجاجة، بما يضمن كرامة وحقّ المواطن المغربي، كما يحثّ على ذلك دستور المملكة المغربيَّة بقيادة الملك محمّد السادس، الَّذِي ما فتئ -في كلّ خطاباته- يدعو المسؤولين إلى بذل مجهوداتٍ مضاعفةٍ لمسايرة التطوّر، الَّذِي تعرفه المملكة على جميع الأصعدة، الَّذِي جعل منها قوّة إقليميَّة.

أنوار المجاهد