ملابسهم ممزّقة متسخة، وبنيات جسديّة مختلفة، أطفال أبرياء وسيلة لعملهم، وأحذية بالية تكتسيها أكوامٌ من الغبار، وبصوت مكلوم وضعيف يغلب عليه نبرة حزن مصطنع، بأحياء عددٍ من ومدن جهة شمال المملكة خصوصًا “طنجة/تطوان…”، يتّخذ متسولون الشوارع والأزقة، بل حتّى الشواطئ ملجأ لهم لكسب قوت يومهم.

لكلّ منهم طريقته الخاصّة في التسوّل، كلّ واحد منه له قصّته الخاصة به، يبدأون يومهم بتقمّص الشخصيات منذ الصباح الباكر، فمنهم مَن يستعمل علب الأدوية حجّة لتسوّله، ومنهم مَن يدّعي إصابته بالسرطان، ومنهم من يُوهم المارة بأنه سوريّ نازحٌ من الحرب.

إذن هي قصص مُختلفة ومتعدّدة، هدفها واحد هو طلب استمالة الناس، حتّى يمدوا أياديهم لجيوبهم ويخرجون منها بعض القطع النقدية، في حالة عدم تحديد المتسوّل أو الشحَّات القيمة المالية المطلوبة، ليغرقك بعدها بدعوات الخير والنجاح التي تترك أثرًا في نفسك، من قبيل “الله يفرجها عليك”.

فإذا تمعّن المرء فيهم يجد نفسه أمام أناس محترفين، لدرجة أنّ بعضًا منهم راكم الأموال من هذه الحرفة أو المهنة غير المنتظمة وغير المعترف بها قانونيًا، لكنّها موجودة وبكثرة واقعيًا، فهي الحرفة الَّتِي لا تبور مع مرور الأيّام ولا تتأثر بالأزمات والكوارث.. فالكثير منهم يستعمل رأفة الناس بهم وأريحية البعض الآخر لتكديس الأموال يومًا بعد يومٍ، أو بتغيير الأماكن والمدن أحيانًا، والهدف جمع أكبر عددٍ من الأموال لحماية النفس من غدر الزمن ونوائب الدهر.

ينتقلون من “طي الرّجل أو الذراع بشكل بارع إلى درجة يتخيل للناس أن الرجل فعلًا ذو عاهة ويستحق الرحمة، إلى اكتراء أطفال ذوي إعاقات مختلفة، ثم طرق أبواب البيوت بعد ارتداء هندام مُحترم وطلب المعونة على أساس أنَّ لديهم ميتًا بالبيت”، كلها طرق تمثيليّة كاذبة يتقمصها المتسوّلون بشوارع المملكة لإيهام الناس بأنَّهم يستحقّون الصدقة. 

التسول عبر شبكات التواصل الاجتماعي

استفحلت ظاهرة التسوّل عبر الشبكات العنكبوتيّة في السنوات الأخيرة، وتعدّدت وسائلها، حيث لجأ عددٌ من الأسر، الَّتِي تعيش أوضاعًا اجتماعية صعبة إلى استعمال مختلف وسائل التواصل الاجتماعي لطلب مُساعدات مادية إلكترونيّة بوضع حسابها البنكي، وخداع الفئة المستهدفة أحيانًا بقصص أقرب إلى الخيال العلميّ.

وانتقل التسوّل من الأزقّة والشوارع إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ظهر مجموعة من المرتزقة الَّذِينَ أنشأوا صفحات على “فيسبوك” للاغتناء باستغلال معاناة الناس والنصب باسم حالات إنسانيّة، وكسب مال كثير ومضاعفة رصيدهم البنكي؛ ناهيك عن الحالات الَّتِي تستعمل مآسي أفراد أسرها ومعاناتهم لكسب عطف يدرّ عليها المال الكثير

التسول أو لفيه شي طبيعة ما يبيعها

في كل مكان تذهب إليه لقضاء أغراضك الشخصية يعترّض طريقك أناس تحس بأنّهم يشاطرونك الألم نفسه ويتقاسمون معك الاحتياج نفسه فهذه الفئة “ترتدي أقنعة في كلّ مكان؛ فمثلًا في إشارات المرور يعرض عليك المُتسوّل شراء مناديل ورقية، بينما تجد أناسًا يطلبون مصاريف لإجراء تحاليل طبيّة أو ما شابه بأبواب المستشفيات… كلها أساليب يتّخذها المتسوّل للنصب على المغاربة”.

ويُؤكّد بعض الأخصائيّين النفسيّين في دراسات لهم، أنَّ “المتسوّل غير سوي نفسيًا ويعاني اضطراب الشخصية؛ لأنَّ الإنسان السوي مُقيّدٌ بضوابط اجتماعية وثقافيّة ويصعب عليه التخلي عن مبادئه واتّخاذ التسول للربح السريع والاغتناء”.

تسوّل أو الفنّ بشكل آخر

بحرفية كبيرة، تُوحي لك بأنَّ الماثل أمام تخرّج من معاهد مختصّة في مجال الفنّ، فالمتسول “يتقمّص شخصية لمدة زمنية محددة ليلبس بعدها قناعًا آخر، لكنّه يتحوّل إلى مجرم خطير يمكنه ارتكاب جرائم خطيرة إذا واجهته بأنّه الشخص نفسه الَّذِي سرد عليك ذات يوم قصة معينة وكنت ضحية لنصبه واحتياله”.

ويتذكّر المغاربة جيدًا حكاية “الجيلالي”، البالغ من العمر 67 سنة، الَّتِي تناقلتها وسائل الإعلام بشكلٍ كبيرٍ قبل سنوات، حينما استغل فقدان بصره وامتهن التسوّل، واتّخذ من محطة سيّارات الأجرة الكبيرة موقعه الدائم، يدافع عنه بكلّ قواه حتّى لا ينافسه أحد المتسوّلين في طلب رزقه، ورغم توسلات ابنيه المقيمين بأمريكا، وامتلاكه منزلًا من ثلاثة طوابق، رفض “التقاعد” عن عمل مارسه طوال 20 سنة.

عيد المتسولين

يُعدُّ المتسولون يوم الجمعة يومًا استثنائيًا، ففيه تتضاعف مكاسبهم، بعد أن يتزاحموا أمام المساجد والمقابر من صلاة الفجر وحتّى غروب الشمس، لجمع المال والأكل والملابس وغيرها من الصدقات التي يجود بها المُحسنون.

للمتسول خصوصية نفسيّة أنَّه “شخص ضعيف يحقد على المجتمع ويطلب العطف من فئات المجتمع، ظنًا منه أنَّ ضحية إهمال مجتمعي؛ إذ: “تصطف أعداد كبيرة منهم في أبواب المساجد يوم الجمعة، ويتلون آياتٍ قرآنيّةٍ تحدث عن التصدق، وهو أسلوب يستخدمونه لوضع المتصدّق في وضعية حرجة”.

التسول داخل الشواطئ

في السنوات الماضية لا أحد منا كان يجد المتسولين بكثرة في شواطئ المدن، لكن مؤخرًا وفي زمن “كورونا” سجلت جريدة “لاديبيش” ملاحظة تخصّ وجود المتسولين بعددٍ من شواطئ الساحلية لجهة طنجة تطوان الحسيمة، يطلبون الناس، منحهم بعض القطع النقدية، ومنهم من يهاجم الناس إذا ما امتنعوا منحهم المال.

استغلال الأطفال في التسول

أصبحت ظاهرة استغلال الأطفال في التسوّل كثيرة جدًا، لدرجة اكترائهم واستغلالهم في التسوّل وبالتالي اغتصاب براءتهم، ليكتسبوا منذ صغرهم حرفة ولغة التسول.

فاعل جمعوي، أكَّد لجريدة “لاديبيش” أنه رُصدت وجود حالات صادمة لاستغلال الأطفال في ظاهرة التسوّل المُنظّم، مشيرًا إلى أنَّ جمعيته رصدت كراء طفلات لمحترفي التسوّل وفق 3 فترات في كل يوم من طرف “مافيا” مُنظّمة ومحترفة، وذلك مقابل 100 درهم عن كل فترة، قائلًا: “نرصد فتاةً صغيرة مع سيدة متسوّلة كلّ الصباح، ونجدها مساءً مع سيدة أخرى، وفي الليل تنتقل إلى امرأة ثالثة”.

وحذر المتحدّث من أنَّ هذه الظاهرة تُشكّل “مشروعًا خطيرًا مُنظّمًا من طرف مافيات وشبكات محترفة”، معتبرًا أنَّ “الطفل الذي يُسْتَغل في التسول سيتحوّل إلى مجرم ولن يكون مهندسًا في المستقبل، كما أنَّ الطفلة التي تُستغلّ في التسوّل ستصبح أمًّا عازبة، علمًا أنَّنا وصلنا إلى الجيل الثالث من الأمهات العازبات”، على حدّ قوله.