سحرُ المدينة وجمالُها، غالبًا ما تخفي حقائقَ كثيرةً قد تكون صادمة في بعض الأحيان، خصوصًا لروّادها وزوَّارها؛ أمَّا الأبناء البررة فهم واعون جيّدًا بالحيف، الَّذِي يطالهم، خصوصًا في الأماكن الهامشية. فتزيين الواجهة دائمًا يكون مرتبطًا بغرض بيع شيءٍ ما، وهذا البيع في طنجة مُرتبط بالترويج للمدينة على المستوى الاقتصاديّ والسياحيّ، دون الاهتمام بالهشاشة والفئات الهشّة.

ولعلّ أبرز الظواهر، الَّتِي يعيشها المغرب -وعلى رأسهم مدينة طنجة- ظاهرة الأمهات العازبات، خصوصًا أنَّها تزداد تعقيدًا في ظلّ عدم اعتراف الدولة المغربيّة بأطفال الأمهات العازبات، لأنَّهم ولدوا حسب الشرع بطريقة غير شرعية.

  • نهاد: أفكر في ترك كلّ شيء ورائي لكن غريزة الأمومة تمنعني

نهاد وابنيها وئام وريم، هم أسرة كباقي الأسر المغربية، لكن وَفْقًا للحكومة المغربية، أسرة كنزة تُعدُّ غير موجودة؛ لأنّ أطفالها غير شرعيين، ويفتقرون إلى الوثائق الأساسيّة.

نهاد بحسرة وحُرْقَةٍ كبيرة تفتح قلبها لجريدة “لاديبيش” وتقول: “في بعض الأحيان، أفُكّر في ترك كل شيء ورائي، وأتمنى ألَّا أعود أبدًا”، مُضيفةً: “غرائز الأمومة فقط هي الَّتِي تمنعها عن القيام بذلك”، وباعتبارها أمًّا عازبة لا تمتلك العمل، فوضعها غير مُستقرّ أكثر من غيرها، هي وأطفالها الَّذِينَ يصفهم المجتمع كما القانون بغير الشرعيّين.

  • رحاب: الجهل كان وراء حملي لأصبح أمًّا لطفل دون أب

رحاب شابة في عقدها الثالث، لها طفل في السابعة من عمره، سمته عبد العزيز، تحكي قصة غريبة جعلتها تهجر عائلتها وتستقرّ بشكل نهائي عن مدينتها وزان. أكدت لجريدة “لاديبيش” أنَّها كانت مُتزوّجة لمدّة 8 سنوات، وكان لها مشكل الإنجاب، ولأنَّها متزوجة من رجل ينحدر من أسرة محافظة، اعتبروا أنَّ رحاب هي من لديها مشكل الإنجاب وتمّ تطليقُها.

تضيف رحاب، بعد الطلاق بدأت أعمل في شركة للخياطة، وهناك ربطت علاقة مع “الشاف” الَّذِي كان متزوجًا وله 3 أولاد، ولأنَّني كنت مُعتقدة أنَّني لا أنجب، كنت أمارس معه الجنس دون احتياط، الأمر الَّذِي أفضى إلى حمل وولادة، ولكنّه مُتزوجٌ رفض الاعتراف، كمَّا أنَّني كنت أخاف الفضيحة والطرد من العمل، فاضطررت للصمت، وأخبرت عائلتي أنّه بعد الإنجاب انفصلت عن الزوج، وبدأت رحلة المعاناة، فالطفل حتَّى اليوم لا يتوفر على أيّ وثيقةٍ إداريّةٍ.

  • مريم.. طفولة مُنتهكة واغتصاب من قبل المُشغّل

محنة “مريم” بدأت منذ فترة طويلة، هي في الأصل تنحدر من قرية فقيرة، بعد أن وصلت السنة السادسة، أرسلها والدها للعمل كمُدبّرة منزل عند أسرة في طنجة، في كل مرة أكسر فيها الأطباق أو عند عدم تلميعي للأحواض والأرضية بشكل جيد، “تضربني سيّدة المنزل” هكذا تتحدّث “مريم” عن طفولتها المنتهكة.

في سنّ الخامسة عشر، تمكَّنت “مريم” من الفرار والعودة إلى منزل والديها، “أنا لم أتعرّف على إخواني وأخواتي، ولم أعش طفولة كباقي الأطفال، لم أذهب إلى المدرسة ولا أستطيع قراءة حتّى علامة في الشارع”. وما إن عادت “مريم” إلى بيت والديها حتّى أعادها والدها بنفسه للعمل في البيوت من جديد لكن هذه بتطوان، “تعرّضت في عملها الجديد للاغتصاب من قبل صاحب المنزل، ربّ البيت في البداية كان لطيفًا وتصرّف معي مثل الأب، لكن ذات يوم عاد إلى المنزل وهو في حالة سكر واغتصبني، واستمرّ في استغلالي جنسيًا، ويوم أخبرته بخبر حملي  قام بطردي”، هكذا تروي مريم قصتها المُحزنة الَّتِي وجدت على إثرها نفسها في الشارع مع جنين تحمله في أحشائها”. مضيفة مريم: “لقد حاولت الانتحار بشرب السمّ، من أجل وضع حدٍ لحياتي وحياة ما يوجد في بطني لكني لم أستطع”.

  • 50 ألف ولادة خارج إطار الزواج

في المغرب، يُعاقب القانون الجنائي على العلاقات خارج إطار الزواج بالسجن، والإجهاض ممنوع، لكن بالرغم من هذا تُسجل 50 ألف ولادة خارج إطار الزواج كل عام. وينتهي الأمر بالكثير من الفتيات؛ بسبب الخوف من انتقام أسرهن، بالتخلّص من أطفالهن. ووَفْقًا للجمعيات المدنيّة، الَّتِي تواكب مثل هذه القضايا، يتمُّ التخلي عن 24 رضيعًا كلّ يومٍ في المغرب، ويُعثر على ثلاث مئة جثة من الأطفال كلّ عامٍ في صناديق القمامة.

أمَّا الفتيات اللواتي تحلّين بالشجاعة، وقرّرن الحفاظ على الطفل عليهن مواجهة المجتمع الذي لا يرحم.. هكذا تقول مريم العثماني، الناشطة الجمعوية والحقوقيّة، الَّتِي تبلغ من العمر 69 عامًا، وهي تعمل في المجال الاجتماعي منذ 38 عامًا.

في المغرب، الأطفال المولودون خارج إطار الزواج، هم أطفال غير قانونيين، وعملية “إضفاء الشرعية” عليهم صعبة للغاية، خصوصًا إذا كان الأب غير معروف أو غير موجود. هؤلاء الأطفال لا يتعرّضون للتمييز المجتمعي فقط، لكن عدم قدرتهم على الحصول على وثائق قانونيّة تجعل العديد من جوانب الحياة صعبة، منها على وجه الخصوص التمدّرس والاستفادة من الرعاية الصحية، ثُمَّ في وقت لاحق إشكال الحصول على وظيفة.

في عام 2004، حصل تعديل قانوني لجعل الأمر أكثر سهولة بالنسبة للأمهات العازبات، لتسجيل أطفالهم بالمدارس، ولكن الكثير من المواطنين المغاربة يقولون إنّ هذه التعديلات لم يكن لها تأثير عملي يُذكر: “معظم الأمهات العازبات يعزفن عن تسجيل أبنائهن في المدارس؛ خوفًا وتفاديًا لهذه الإجراءات”، تقول عائشة الشنا، رئيسة جمعية التضامن النسوي، الهادفة لمساعدة الأمهات العازبات في المغرب.

وثائقي “الأنذال” لسنة 2014، الذي تمّ إنتاجه من قبل منتج البي بي سي السابق ديبورا بيركن، يسلّط الضوء على كفاح الأمهات غير المتزوجات والأطفال غير الشرعيّين في المغرب، ويرصد قصة “رابحة” وعراكها مع المساطر وقوانين المحاكم في محاولاتها لإضفاء الشرعية على ابنتها، سلمى، بمساعدة من جمعية عائشة الشنا.

ووَفْقًا لمصادر جمعوية، فإن الإحصائيات تُشير إلى كون “المغرب يعرف ولادة ما يُقدّر بنحو 153 طفلًا غير شرعي كل يوم”، الغالبية العظمى من هذا العدد مصدرها الأسر الفقيرة. وَفْقًا للشنا، حتى عندما يحصل الأطفال غير الشرعيين في المغرب على الوثائق القانونيّة، الَّتِي يحتاجونها إداريًا، فهم يظلون في مواجهة دائمة مع التمييز المجتمعي طوال حياتهم. ويرجع السبب لكون المستندات والوثائق الَّتِي يحصلون عليها، غالبًا ما تستحضر الماضي، أي أنّه حتى لو سردت أسماء خيالية للأب على سبيل المثال، فلن يُكتب اسم جدّه، ممّا سيكشف عن كون الطفل قد وُلد خارج إطار الزواج.

أمَّا القانون المغربي، فيعتبر أنَّ كلَّ العلاقات الجنسيّة خارج إطار الزواج، جريمة يعاقب مرتكبها، كما يمكن محاكمة المرأة فيها بتهمة الدعارة، ومُتابعتها في ظلّ النصوص الخاصة بهذه التُّهمة. وبالإضافة إلى كلّ هذا، يتذوّق الأطفال الَّذِينَ يُولدون من هذه العلاقات أيضًا المرارة المترتب عنها منذ أيّامهم الأولى، لأنهم لا يتمكنون من الحصول على بطائق تحديد الهُوية إلا بعد عرض رخصة زواج الوالدين، الَّتِي لا وجود لها في حالاتهم.

من أبشع ما يترتب عمَّا سبق ذكره، أنَّ الأمهات يُمكن أن يحاكمن بما يُناهز مدّة شهرين سجنًا وغرامة مالية إذا لم يُسجلن الطفل في غضون 30 يومًا من الولادة. وهنا يظهر أنَّ “القوانين متناقضة وتؤدي إلى فهم مختلف وتفسيرات مُتباينة بين السلطات المحلية الَّتِي قد تسمح وقد لا تسمح للأمهات العازبات في نهاية المطاف بالحصول على دفتر للحالة المدنية “، تقول ستيفاني ويلمان بوردات، محامية ومؤسسة جمعية (MRA) الَّتِي تتّخذ من الرباط مقرًا لها، وهي جمعية غير حكومية تدافع عن حقوق المرأة.

عدم الحصول على دفتر الحالة المدنية من قبل الأمّ العازبة، وما يترتب عنه من مشاكل، لا يتوقف عند هذا الحدّ، بل يمتد ليطال الحياة التي يُراد ذلك الجنين الذي ولد دون أب تأسيسها، فالحالة المدنية هي واحدة من عدة وثائق المطلوبة لتحديد الهوية القانونية، الَّتِي من الضروري التوفر عليها للحصول على رخصة الزواج. وهنا يتعقد الأمر أكثر، أي عندما يفكر الشخص غير الشرعي أن يدخل في علاقة شرعية لتفادي أن يعيد أبناءه نفس تجربته، وهنا يجد أنَّ ماضيه لا يزال متربصًا به، وربَّما بما تبقى من حياته.

  • أمهات عازبات ونظرة المجتمع

يحملن العارَّ، فهن موصومات من طرف مجتمع ذكوري دائمًا يحمل المرأة المسؤولية، دون تحميلها بالموازاة للطرف الآخر ألا هو الرجل، الذي يُعدُّ شريكًا أساسيًّا للمرأة في الحمل غير المرغوب فيه.

  • عبد الله.. الأطفال الناتجون عن علاقة غير شرعية مرفوضون شرعًا

عبد الله، الشاب المغربي المُنحدر من العرائش، يعتبر الأم العازبة بالمغرب وصمة عارّ، لأنَّها لم تُحافظ على شرفها وسمحت للرجل أن يعبث بجسدها، الأمر الَّذِي أفضى إلى حمل مرفوض شرعًا. عبد الله يعتبر الابتعاد عن الدين وعبادة الخالق، هي مَن تنتج لنا أطفالًا غير شرعيين، الَّذِينَ لا يُمكن لهم أن ينفعوا المجتمع بأي شيءٍ؛ لأنَّهم أبناء حرام.

  • جواد.. الأطفال الذين تم إنجابهم خارج إطار الزواج هم أبناء الوطن ولا ذنب لهم

جواد.. مواطن مغربي منحدر من سطات، يعمل كإطار بنكي بجهة الشمال، يقول بحرقةٍ وحسرةٍ، الأولاد أو الأطفال الَّذِينَ ازدادوا خارج إطار الزواج، هم أطفال أبناء الوطن ولا ذنب لهم، لهذا لا يجب معاقبتهم، كما يجب تمتيعهم بكلّ حقوقهم؛ احترامًا للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

ويضيف جواد قبل أن نُصدر أحكامًا جاهزة، يجب أن نقف عند الظاهرة، وأن نبرز الأسباب الرئيسيّة، الَّتِي تُفرز لنا أطفالًا خارج إطار الزواج، وهنا سوف نجد عدّة أطراف تتحمّل المسؤولية في هذه الظاهرة، هذه الأطراف مُتمثّلة في المرأة والرجل والمجتمع والدولة أيضًا.

  • ريهام.. البنت هي مَن تحافظ على شرفها

ريهام 33 سنة.. ابنة مدينة طنجة مُحجّبة، وحاصلة على الماستير في علوم الشريعة، فعلى الرغم من أنَّها بنت “حواء”، فإنَّها لم تجد عذرًا لقريناتها، بل تعتبرهم حالات شاذة يجب معاقبتهم. تقول: “إنّ هؤلاء لم يستطعن الحفاظ على شرفهن وبالتالي يجب تحمل مسؤوليتهن الكاملة فلا أحد ضربهن على أيدهن، ولا أحد غصبهن على ذلك”.