????????????????????????????????????


بقلم: عبد المجيد الهيشو الرئيس السابق للمجلس الجهوي للعدول باستئنافية طنجة

اقتبست هذا العنوان من البلاغ الَّذِي أصدرته وزارة العدل حول ما سُمّي «بالعدول الراسبين» الذي جاء فيه -حسب جريدة هسبريس الإلكترونية بتاريخ 31 غشت الجاري- أنَّ الوزارة تتمسَّك بالقوانين أمام «عدول راسبين»، وأنا أُعيد التساؤل لماذا لا تخرج علينا وزارة العدل ببلاغ تُوضّح فيه الأسس القانونيَّة والحيثيات الَّتِي اعتمدتها في تعيينات حاملي شهادة العالمية الباطلة وغير المشروعة، وهي الَّتِي عودتنا على إصدار البلاغات التوضيحيَّة حول كل موضوع يهمّها؟ ونحن في الهيئة الوطنية للعدول ما زلنا ننتظر إصدار مثل هذا البلاغ، الَّذِي سيُعلن فيه السيد الوزير المحترم أنَّ الوزارة تتمسّك بالقوانين في شأن هذه التعيينات، وبأنها أصدرت قرارات تلغي تلك التعيينات الجائرة جملةً وتفصيلًا، وتعتذر للرأي العام المغربيّ عامّة وللعدول خاصّة عن هذا الخطأ الجسيم.

ونعود إلى الموضوع مرة أخرى بعد أن أشبعناه بحثًا وردًّا وتعقيبًا في وسائل التواصل الاجتماعي، وأوضحنا أنَّ وزارة العدل أخطأت خطأ كبيرًا في تعيين حاملي شهادة العالمية في التعليم العتيق. وقد حرَّكني إلى كتابة هذا المقال، ما أورده زميلي الأستاذ مصطفى منير في مقاله القيّم حول الموضوع، الَّذِي نُشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الجرائد المغربيّة كالعمق المغربي وجريدة الصباح والرباط نيوز وغيرها. حيث أورد الزميل مجموعة من المُعطيات القانونيَّة المفحمة حول الخطأ الَّذِي ارتكبته الوزارة في هذه التعيينات، ونبهني إلى وجود براهين منطقية وقانونيّة أخرى، أشار إليها في مقاله إشارات خفيفة، وأريد أن أقف عندها بشيء من التفصيل والتوضيح، حتَّى لا يبقى أدنى مجال للشك والتأويل؛ وذلك عبر براهين علمية وحجج منطقيّة وقانونيّة.

وإذ أحيي في الوزارة تمسّكها بالقوانين فيما يخص هؤلاء الراسبين؛ وأشد على أيّديها فيما فعلته بخصوصهم، أشير إلى أنَّني سأنحو في هذه المقالة منحًا فلسفيًا وقانونيًا في آنٍ واحدٍ، رجاء إقناع الوزارة بالعودة إلى الصواب والتمسك بالقانون كما تمسَّكت مشكورة في المتمرنين الراسبين.

أمَّا البرهان المنطقي والقانوني الأوّل، فهو المنطق التاريخيّ، الَّذِي أشار إليه زميلي بخصوص أنَّ شهادة العالمية المعنية بالإعفاء من المباراة والتمرين لمدّة سنة واجتياز امتحان التخرّج بنجاح، هي المعادلة للدكتوراة، وأنَّها هي شهادة العالمية الَّتِي كانت موجودة حين إصدار القانون رقم 30.61 المتعلق بخطة العدالة سنة 6660. وأنا أضيف إلى ذلك أنَّ شهادة العالمية المعادلة للدكتوراه، هي التي كانت موجودة في قانون خطة العدالة الصادر سنة 3893، حيث كان الفصل 0 من قانون 11/81 ينص على إعفاء شهادة العالميّة من المباراة والتمرين وامتحان التخرج، وحينها لم يكن للعالمية في التعليم العتيق أيّ وجود؛ لا قانوني ولا واقعي. فقط الذي كان موجودًا آنذاك هو شهادة العالمية المعادلة للدكتوراه، الَّتِي صدرت في مراسيم سنة 3896 حسب التفصيل الذي أورده زميلي المذكور أعلاه. أي أنَّ شهادة العالمية المعادلة للدكتوراة كان منصوصًا عليها قبل ظهور شهادة العالمية في التعليم العتيق، الَّتِي تُعادل الإجازة بأكثر من 13 سنة، [أي من سنة 3893 إلى 6639 وهي سنة تخرج الفوج الأوّل من حاملي العالمية من جامعة القرويين]، وهل من المعقول أن ينص قانون 3893 على شهادة العالمية ستنظم بقوانين لاحقه بعده بكلّ هذه السنوات؟ وهذا يعني بالمنطق والمعقول والقانون أن شهادة العالمية المعنية بالمادة 8 من قانون خطة العدالة هي التي كانت موجودة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي وهي التي تعادل الدكتوراة، وهذا واضح لا غبار عليه. وأمّا البرهان المنطقي والقانوني الثاني فهو المتعلق بكون شهادة العالمية في التعليم العتيق الَّتِي تعادل فقط شهادة الإجازة [يعني باك + 1 سنوات فقط] في القانون أو الشريعة أو غيرهما من الإجازات المنصوص عليها في المادة 0 من قانون 30.61 المتعلق بخطة العدالة، فهو اختلال المنطق العلمي والرياضي والقانوني في الموضوع؛ لأنه لا يمكن قبول أنَّ حاملي شهادة الإجازة في الشريعة والقانون وهي المعادلة لها يجب عليهم اجتياز المباراة والتمرين لمدة سنة واجتياز اختبار التخرّج بنجاح، في حين أنَّ حاملي العالمية في التعليم العتيق، الَّتِي هي تعادل ذلك فقط يعفون من كل ذلك؟ بمعنى أنَّ الأصل لا يعفى من المباراة والتمرين لمدّة سنة واجتياز اختبار التخرج بنجاح؛ وأن فرعه يعفى من ذلك كله؟ هذا غير منطقي وغير معقول وغير قانوني. وهذا إذا سلمنا بكون شهادة العالمية في التعليم العتيق تعادل الإجازة في القانون أو الشريعة أو …، لأنَّني أنا شخصيًا لا أسلّم بهذه المعادلة، لأن الموادّ الَّتِي تدرّس هنا ليس هي التي تدرّس هناك، والسلطة الَّتِي تصدر قرار المعادلة بين الشهادات العلمية ليست هي الوزير الأوّل ولا وزير الأوقاف وإنما هي وزارة التعليم العالي التي لا تعطي هذه المعادلة إلا بعد أن يثبت لديها دراسة نفس الموادّ العلمية أو الَّتِي تقاربها، وهل في التعليم العتيق يدرسون القوانين ذات الصلة بخطة العدالة مثل: قانون خطة العدالة والنصوص التنظيمية له وقانون الالتزامات والعقود وقانون التحفيظ العقاري ومدونة الأسرة ومدونة الحقوق العينية والقانون المالي وقانون التسجيل والتمبر وقانون تحصيل الديون العمومية وقانون تقسيم العقارات والتجزئات السكنية وقوانين الأراضي الفلاحية المسقية وغير المسقية وأراضي الضم وغيرها من القوانين المتعددة؟

ولذلك فإنَّ معادلة شهادة العالمية في التعليم العتيق لشهادة الإجازة في القانون أو الشريعة أو غيرهما فيها كثير من التساهل والتجاوز والتعسف. وليس معنى هذا أنني أقلل من قيمة شهادة العالمية في التعليم العتيق ولا من كرامة أهلها، ولكن الحقّ أحقّ أن يتبع. وممَّا يؤكد هذا أيضًا أنَّ وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أصدر في شهر يونيو المنصرم قرارًا بتخصيص 16 مقعدًا لشهادة العالمية العليا…؛ بمعنى أنّه أصبح عندنا اليوم شهادة العالمية الصغرى في التعليم العتيق، وهي التي تعادل الإجازة، وشهادة العالمية العليا في التعليم العتيق، وهي الَّتِي ستعادل الدكتوراة، وهذه سيبدأ في الحصول عليها بعد سنوات من اليوم، وقرار وزير الأوقاف هذا دليل آخر على بطلان تعيينات حاملي شهادة العالمية في التعليم العتيق «عدولا». أما البرهان المنطقي والقانوني الثالث وهو منطق ترتيب الموادّ القانونية في قانون خطة العدالة، وترتيب النصوص القانونية في كل قانون له معناه ومقاصده ومغازيه وأهميته، أي أنَّ المُشرّع نص في المواد 3و0و7و9 من قانون خطة العدالة، على حاملي شهادات الإجازة وأوجب عليهم اجتياز المباراة بنجاح والتمرين لمدة سنة بالمعهد العالي للقضاء ثم اجتياز امتحان التخرج بنجاح، أمَّا في المادة 8 منه فنصّ على رفع الإيقاع ومن المستوى العلمي أو الخبراتي المطلوب، ونص على شهادات علمية أعلى من الإجازة إذ نصّ على شهادة الدكتوراة أو الخبرة العملية الطويلة؛ ولا يعقل أبدًا أن ينصَّ المشرع على شهادة الدكتوراة، ويجعل من بينها شهادة علمية أخرى أقل منها قيمةً أو علمًا، مما يعني أنَّ المقصود بشهادة العالمية في هذه المادة هي الَّتِي تعادل شهادة الدكتوراة وليس غيرها.
لذلك ومن أجله، أدعو الوزارة المحترمة إلى أن تتمسّك بالقوانين في هذا الملف أيضًا، كما تمسَّكت مشكورة في ملف «العدول الراسبين»، وأن تخرج علينا في وقت قريبٍ وبكلّ جرأة وشجاعة ببلاغ تعلن فيه إصدارها قرارات بإلغاء تعيينات حاملي شهادة العالمية الصغرى في التعليم العتيق، وإلا فسيُشكّل ذلك «خرقًا للقانون وشططًا في استعمال السلطة من جانب الوزارة وهو أمر لا يمكن القبول به في ظل دولة القانون والمؤسّسات» على حدّ تعبير السيد الوزير في جوابه عن الأسئلة البرلمانية بخصوص «العدول الراسبين».

كما أدعو هؤلاء الإخوة المعينين الَّذِينَ تمَّ تعيينهم بُناءً على هذه الشهادة (العالمية في التعليم العتيق) إلى التخلّي عن هذه القرارات وعدم الالتحاق بالمهنة، لأنَّ صفة العدل الَّتِي منحت لهم لا يستحقونها الآن، وعليهم الرجوع إلى الكليات المعنية والتسجيل في الدراسات العليا والنجاح في السنة الأولى والثانية من السلك الثالث وإعداد أطروحاتهم ومناقشتها والحصول على الدكتوراة، ثم بعد ذلك يمكنهم الولوج إلى المهنة، دون مباراة وتمرين واجتياز امتحان التخرج بنجاح، [يعني باك + 9 سنوات على الأقل] وهم مرفوعو الرأس وإلا فسيكونون مغتصبين لحقّ عظيم ليس لهم ومكتسبين صفة عدل –على جلالتها– بغير وجه حقّ ومنتهكين للقانون بتعبير السيد الوزير في جوابه المذكور، وإن لم يفعلوا حقًّا لنا أن نطلق عليهم اسم «العدول المغتصبون لصفة عدل». كما أدعو المكتب التنفيذي للهيئة الوطنية ورؤساء المجالس الجهوية للعدول إلى أن يتحمّلوا كامل مسؤولياتهم في هذا الموضوع عن كلّ تقاعس في الدفاع عن المهنة، لأنّه إن مُرّرت هذه التعيينات غير المشروعة والخارقة للدستور والقانون والمنطق في هذه السنة، فكونوا على يقين بأنَّها ستصبح اجتهادًا يبنى عليه ويستند إليه في تعيينات لأفواج عديدة أخرى لا قدر الله.

كما أدعو المحكمة الإدارية المختصة -في حال عرض الأمر عليها- إلى الأخذ في الاعتبار هذه البراهين المنطقية والقانونيّة وهي تنظر في هذا الملف، والحكم ببطلان هذه التعيينات وإلغائها جملةً وتفصيلًا.