الدكتور نور الدين أشحشاح

أستاذ باحث

لقد تأسفت المحكمة الدستورية عندما حيثت قرارها رقم : 105/20 و.ب الصادر عنها بتاريخ 30 أبريل 2020، والقاضي بإقالة عضو مجلس النواب الواقع في حالة من حالات التنافي المنصوص عليها في القانون التنظيمي لمجلس النواب.

ملخص الموقف قوامه أن صلاحية التقدم بطلب إلى المحكمة الدستورية للنظر في الإقالة بسبب السقوط في أحوال التنافي أسندها القانون التنظيمي 27.11 ل”مكتب مجلس النواب أو لوزير العدل”. ولقد تقدم هذا الأخير فعلا بتاريخ 7 فبراير 2020 ضد عضو بمجلس النواب جمع بين عضويته به ورئاسة مجلس جماعة ومؤسسة للتعاون بين الجماعات، بطلب يلتمس فيه من المحكمة”اتخاذ المتعين… قانونا” بإعمال أحكام المادتين 17 و 18 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، والتي تنتهي بترتيب الأثر القانوني المتمثل في إقالة المعني بالأمر وتجريده من العضوية.

هذه القضية تندرج في إطار اختصاص المحكمة المذكورة بالنظر في الأحوال التي تتنافى مع العضوية في مجلس النواب، والتي تحددها المادة 13 من القانون التنظيمي المذكور، التي تنص في فقرتها الثانية على ما يلي: “تتنافى العضوية في مجلس النواب مع رئاسة مجلس جهة. كما تتنافى مع أكثر من رئاسة واحدة لغرفة مهنية أو لمجلس جماعة أو مجلس عمالة أو إقليم أو مجلس مقاطعة جماعية أو مجموعة تؤسسها جماعات ترابية”.

رسالة وزير العدل التي أحال بموجبها هذه القضية على المحكمة الدستورية تستند إلى المادة 18 التي حددت الجهات المختصة بالإحالة، حيث تنص على أن المحكمة الدستورية تعلن”… الإقالة، وتقر التجريد من العضوية …بطلب من مكتب مجلس النواب أو وزير العدل.

ويتبين من قرار المحكمة الدستورية أن المطلوب إعلان إقالته، انتخب رئيسا لمجلس جماعة “أ. و” بتاريخ 16 شتنبر 2015، وبعدها بسنة تقريبا انتخب عضوا في مجلس النواب في 7 أكتوبر 2016، وبعدها انتخب رئيسا لمجلس مؤسسة التعاون بين الجماعات “ل.ص” في 14 من شتنبر 2017، ثم قدم استقالته من رئاسة مجلس المؤسسة المذكورة بتاريخ 30 أبريل 2019.

ويجب أن نشير أيضا إلى أن المعني بالأمر كانت صحة انتخابه موضوع نزاع أمام المحكمة الدستورية، وقد أصدرت هذه الأخيرة قرارها بإقرار انتخابه في 2 أكتوبر من سنة 2017.

المحكمة الدستورية أعلنت في منطوق قرارها عن إقالة المعني بالأمر من عضويته بمجلس النواب، لكنها أضافت في أحدى الحيثيات التي أوردتها في قرارها الإشارة إلى أسفها بالقول، أنه “من المؤسف، عدم مبادرة مكتب مجلس النواب وتأخر وزير العدل في إعمال الفقرة الأولى من المادة 18 من القانون التنظيمي وذلك بتقديم طلب إقالة المعني بالأمر إلى المحكمة الدستورية، بعد انصرام الأجل الذي كان يتعين فيه على النائب المعني أن يثبت أنه استقال من مهمته المتنافية مع انتدابه”؛ 

وهو أسف نادر، ومن الصعب أن يجد موقعه داخل المنهجية القانونية وداخل تقاليد وأعراف القضاء عامة، التي تفرض الانطلاق من القانون ومبادئه ونصوصه فيما يصدر عن القضاء عامة وعن القضاء الدستوري على وجه الخصوص من قرارات.

إن التعبير عن الأسف موقف لا يستند إلى أساس قانوني، ولا طائل ولا جدوى منه، ولذلك علاقة باعتبارات متعددة، من جملتها التالي:

  1. لا أثر للتعبير عن الأسف من الناحية القانونية،فالأثر القانوني الذي أراد المشرع إنتاجه في الواقع قد تحقق بمجرد تطبيق قواعد القانون التنظيمي ومن دون التعبير عن أي مشاعر أو مواقف لا تنطلق من المرجعية القانونية، مما يجعل الأسف غير منتج لأي أثر من الناحية القانونية؛
  2. التعبير عن شعور المحكمة بالأسف يمس بمصداقيتها، وذلك لتعارضه مع واجب الالتزام بالقانون، فالقانون التنظيمي في هذه الحالة يتيح للمحكمة مخارج محددة، حيث يمكنها أن تكشف عن تحقق الوقوع في حالة التنافي فتقضي بالإقالة أو تعتبر الوقوع فيها غير متحقق، هذا من بين خيارات فرعية أخرى مرتبطة بجوانب الشكل والاختصاص وغيره، لكن يجب أن نؤكد على أن ليس بين هذه الخيارات التعبير عن الأسف.
  3. المساس بواجب التزام الحياد، فالذي خصه القانون التنظيمي بالتقدم بطلب الإقالة يفترض انه احد المتقاضين، سواء بمصلحة أو بمجرد الصفة، وعليه فمن الحكمة والواجب اتخاذ المحكمة الدستورية لموقف الحياد، فإذا لم يلجأ إليها احد الأطراف أو تأخر في لجوئه إليها فلا تسعى إلى التعبير عن أسفها، بعبارات أقرب إلى اللوم منها إلى مواقف تقوم على مقتضيات من الإطار القانوني المتعلق بالمحكمة وباختصاصاتها؛
  4. وفوق ذلك، ألا تبدو المحكمة الدستورية في مثل هذه الحالة قيد ممارسة الرقابة على السلطتين التنفيذية والتشريعية من حيث أداء اختصاصاتهما أو إتيان الصلاحيات المسندة إليهما، خارج ما أسند لها صراحة بنصوص الدستور والقانون التنظيمي؟ إذ يبدو حالها وكأنها تجاوزت حدود التزاماتها الدستورية ونظامها القانوني لتجعل من نفسها سلطة فوق السلط، وتمارس أدوارا ومهام وصلاحيات مؤسسات دستورية أخرى.

المحكمة الدستورية كان عليها أن تولي اهتماما أكبر لمقتضيات القانون التنظيمي ولغته ومفرداته، فتتأمل ما يلي:

  • القانون التنظيمي لم يضع أجلا محددا للتقدم إلى المحكمة الدستورية في مثل هذه الأحوال، ومن ثم فإن طلب وزير العدل قد تم في إطار ما يقتضيه القانون التنظيمي ولم يخالفه؛
  • أن تجتهد في تحديد وتفسير مصطلحات وتعابير تحتل موقعا مركزيا في مثل القضايا المعروضة عليها، ومن جملتها مصطلح الطلب، فتبين مثلا هل ينزل الطلب منزلة الإحالة الوجوبية والآلية؟ أم أنه مجرد إجراء اختياري للجوء إلى القضاء،إذا خص به المشرع مكتب المجلس ووزير العدل فإلى أي مدى لم يعتبر ذلك إسنادا لصلاحية يتوقف ممارستها على تقديرهما لوجود دواعي التقدم بالطلب من عدمها، وتوفرهما على المعطيات المادية والقانونية وكفايتها من عدم توفرهما عليها؟.

فلمكتب المجلس ولوزير العدل صلاحية تقدير إثارة المسألة أمام المحكمة الدستورية، وذلك بارتباط مع ما توفر لدى كل منهما من معطيات وعناصر قانونية وواقعية موجبة أو متطلبة لذلك، فمن غير المعقول اللجوء إليها دون التوفر على أي من المعطيات المذكورة، كما لا يمكن إثارة الشك في الوضعية القانونية للنواب دون موجب للشك.

  • وفوق ذلك، يبدو أن المحكمة الدستورية واعية باعتبار تحريك مسطرة التقدم بالطلب هي صلاحية وليست اختصاصا، ووصف أهلية التقدم بالطلب المذكور بالصلاحية سببه أنها إمكانية لم يخص المشرع بها هيئة أو مؤسسة دون غيرها، فلقد أتاحها لمكتب المجلس ولوزير العدل، فهي بذلك يتوزعها طرفان يجب أن يعلم أحدهما بما قرره الآخر بشأنها، وإذا لم يقم بها أي منهما فالمشرع لم يقرر أي جزاء، والنتيجة هي أنه لا يحِل للمحكمة الدستورية أن تحُل محل البرلمان في مراقبة ومحاسبة الحكومة، حيث أن المشرع أوجب بديلا لذلك بحيث لم يعف الواقع في حالة التنافي من التقدم إلى المحكمة المذكورة في حالتين:
  • عند السقوط فعلا في حالة من حالات التنافي، وهذا يدل على انتباه المشرع إلى الفراغ الذي يمكن أن يحدثه عدم تحديد اجل التقدم بالطلب، فجعل المسؤولية الأساسية في التوجه إلى المحكمة الدستورية تقع على عاتق المعني بأمر التنافي نفسه، حيث نصت المادة 17 من القانون التنظيمي لمجلس النواب على أنه “يتعين على النائب الذي يوجد، عند انتخابه، في إحدى حالات التنافي المشار إليها أن يثبت في ظرف الثلاثين يوما التي تلي إعلان النتائج النهائية للانتخاب أو صدور قرار المحكمة الدستورية في حالة نزاع، أنه استقال من مهامه المتنافية مع انتدابه … وإلا أعلنت إقالته من عضويته”.
  • عندما يساوره شك “في تنافى المهام المزاولة مع الانتداب في مجلس النواب … يرفع … النائب بنفسه الأمر إلى المحكمة الدستورية التي تقرر ما إذا كان النائب المعني بالأمر يوجد فعلا في إحدى حالات التنافي”. وحينئذ “يجب على النائب الذي يوجد فعلا في إحدى حالات التنافي أن يسوي وضعيته داخل أجل خمسة عشر يوما تبتدئ من تاريخ تبليغه قرار المحكمة الدستورية…”. وليس هذا فقط، ذلك أن تبعات ومسؤولية عدم اللجوء إلى المحكمة الدستورية لم يحملها القانون التنظيمي لمكتب مجلس النواب أو لوزير العدل، بل حملها للمتواجد في وضعية التنافي، حيث نصت المادة 18 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب على أنه “… في حالة عدم قيامه بذلك، تعلن هذه المحكمة عن إقالته من عضويته”.

إن منهجية القاضي يؤطرها مبدأ أساسي، وهو التعامل مع القضايا المعروضة عليه في حدود ما تسمح له به مصادره المتمثلة في القانون بمعناه الواسع، فلا يجب أن يعبر بشأن القضايا والوقائع عن مواقفه العاطفية أو النفسية، فذلك من شأنه أن يجعل قراراته ممسوسة بشبهة الاستناد إلى أساس غير القانون، لذلك يتعين على المحكمة الدستورية أن تنأى بنفسها عن الوقوع في عدم اليقين، وتلتزم مساحة الوضوح التي أساسها الدستور.