تحتفي إفريقيا بذكراها السنوية 25 ماي، في أجواء غير التي تعوّدت عليها، تستقبل هذه الذكرى والوباء المستجد (كوفيد 19) ما زال يتربص بها ويقتفي أثر مواطنيها، الذين تُشكّل لهم الذكرى حدثًا بارزًا في مسارهم التاريخي ومرحلة مهمّة لكيانهم الإفريقي، الذي تأسَّست منظمته في 25 مايو 1963، ووقّعت عليه 32 دولة إفريقية مستقلّة، في ذلك اليوم الميثاق التأسيسي في أديس أبابا بإثيوبيا، وفى سنة 2002، أصبحت منظمة الوحدة الإفريقية تعرف باسم الاتّحاد الإفريقي. ويحتفل بيوم إفريقيا في جميع أنحاء العالم كلّ سنة في مثل هذا اليوم.

• الدورة الأولى للمنظمة
المنظمة الإفريقية عقدت دورتها الأولى في أكرا-غانا، 15 أبريل 1958، بإشراف رئيس وزراء غانا كوامى نكروما، وضمَّت المنظمة -آنذاك- ممثلين من المملكة المغربيَّة، ومصر التي كانت -آنذاك- جزءًا من الجمهورية العربية المتّحدة باتحادها مع سوريا، وإثيوبيا، وليبيريا وليبيا والسودان وتونس واتحاد شعوب الكاميرون والبلد المضيف غانا، وتمّت خلال المؤتمر مناقشة التقدّم الذى أحرزته حركات التحرير في القارة الإفريقية، التي ترمز إلى تصميم شعب إفريقيا على التحرّر من الهيمنة، والاستغلال الأجنبي، ودعت المنظمة إلى جعل هذا اليوم ذكرى ترمز إلى تحرر القارة الإفريقية.


• أهداف وغاية التأسيس
وتختلف مظاهر الاحتفال بين هذه الدول الأعضاء وبين باقي دول العالم التي تُخلّد بدورها هذه الذكرى باعتبارها رمزًا إلى الوحدة والتحرّر الإفريقي، وقد يستمرُّ هذا الاحتفال لأيّام عديدة بينما تحتفل به باقي الدول لساعات قليلةٍ فقط، وتضمّ المنظمة ما مجموعه 53 دولة منذ إنشاء الاتّحاد في عام 2002. وفي 9 يوليو 2011، أصبح جنوب السودان العضو الرابع والخمسين في الاتّحاد الإفريقي. الذي سطَّر من بين أهدافه تعزيز الوحدة والتضامن بين الدول الإفريقيَّة، وتنسيق وتكثيف التعاون والجهود المبذولة لتحقيق حياة أفضل لشعوب القارة؛ والحفاظ على السيادة والسلامة الإقليمية للدول الأعضاء؛ تخليص القارة من الاستعمار والتمييز العنصري؛ وتعزيز التعاون الدولي في إطار الأمم المتحدة؛ ومواءمة سياسات الدول الأعضاء السياسيَّة والدبلوماسيَّة والاقتصاديَّة والتعليميَّة والثقافيَّة والصحيَّة والرعاية الاجتماعيَّة والعلميَّة والتقنية والدفاع.

• المغرب المؤسّس الرئيس لمنظمة الاتحاد الإفريقي
تُعدُّ المملكة المغربية الدولة العضو في منظمة الاتحاد الإفريقي، من أبرز الدول المؤسّسة للوحدة الإفريقية، فقد دعا جلالة الملك المغفور له محمد الخامس، في سنة 1961 الذي كان يُعدُّ -آنذاك- رمزًا للثورة الإفريقيَّة، إلى مؤتمر الدار البيضاء. وشاركت فيه كلٌّ من المغرب ومصر وحكومة الجزائر المؤقتة وغانا وغينيا ومالي وليبيا وتمخّضت عنه مجموعة من التوصيات أبرزها الدعوة إلى الوحدة الإفريقية، وتأكيد عدم الانحياز والانحياز الإيجابي، ومحاربة الاستعمار وتأكيد مبدأ سيادة الدول الأعضاء ووحدة أراضيها.
ونتيجة لمبادرة الملك محمّد الخامس -طيب الله ثراه- أعلن في سنة 1963 عن مؤتمر أديس أبابا، الذي تمخّض عنه إعلان قيام منظمة الوحدة الإفريقية، ووضع ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية، التي لم تكن سوى تفعيل لميثاق الدار البيضاء الذي أشرفت عليه المملكة المغربية وسطَّرته خلال هذا اللقاء، وهي حقيقة تاريخيَّة تشهد بها العديد من الدول الأعضاء للقارة الإفريقية، ولا يمكن إغفالها أو تجازوها.

• الحضور القويّ والفعَّال للمغرب داخل منظمة الاتحاد الإفريقي
سجَّل المغرب ومنذ إسهامه الكبير في تأسيس المنظمة أدوارًا محوريَّةً في القضايا الإفريقيَّة، خاصّة التي تتعلَّق بالهُوية والوحدة والحفاظ على الانسجام بين دول أعضاء المنظمة، وعلى الرغم من انسحاب المملكة المغربية في سنة 1984، نتيجة لخرق مواثيق المنظمة من قبل بعض الجهات لأهداف لا إنسانيّة، حاولت أن تجعل من منظمة الاتحاد الإفريقي غطاءً لتمرير أطماعها، إلا أنَّ المغرب عزَّز من حضوره داخل القارة الإفريقية تاركًا هذه الخلافات جانبًا لكيلا تقوم بعرقلة الوحدة الإفريقية ولتحقيق الأهداف والغايات التي تمّ تنزيلها في ميثاق ما قبل التأسيس بمدينة الدار البيضاء.

• عودة ميمونة إلى منظمة الاتّحاد الإفريقي وترحيب كبير بالمملكة
منذ إعلان المغرب العودة إلى منظمة الاتحاد الإفريقي، بعد قطيعة دامت أكثر من 30 سنة، بسبب خرق قوانين المُنظّمة لميثاقها، لقي هذا الحدث الأبرز بقيادة صاحب الجلالة الملك محمّد السادس، ترحيبًا كبيرًا من كلّ أعضاء المنظمة ولباقي دول العالم، وكان لهذا الحدث التاريخي وقعٌ خاصٌّ دوّنه التاريخ في سجله، وسيحتفظ المغاربة قاطبة والشعب الإفريقي بذكرى يناير 2017، تاريخ عودة المغرب إلى مُنظمته الإفريقيَّة، التي لم يبتعد عنها، بل ظلَّ حاضرًا في كل ما يتعلق بقضاياها وشؤونها منخرطًا بشكل فعَّالٍ في تنمية دول القارة الإفريقية، وهو ما عبَّر عنه صاحب الجلالة في خطابه السامي بعد هذه العودة وأمام الزعماء الإفريقيّين وباقي دول العالم «كم هو جميل هذا اليوم، الذي أعود فيه إلى البيت، بعد طول غياب! كم هو جميل هذا اليوم، الذي أحمل فيه قلبي ومشاعري إلى المكان الذي أحبه! فإفريقيا قارتي، وهي أيضًا بيتي».

وأكَّد ذلك أنَّه «من أجل تحديد معالم إفريقيا الجديدة هذه، يتعيّن علينا التحرّر من كلّ الأوهام»، مُضيفًا أنَّ «إفريقيا الجديدة التي نتطلع بشغف إلى تحقيقها، لا بُدَّ أن تنطلق من نظرة ملموسة وواقعيّة، بإمكانها أن تفرز قارة إفريقية مبادرة ومتضامنة».
وتعيش القارة يومها هذه السنة 25 ماي 2020، وسط ظروف استثنائية جرَّاء الوباء المستجد (كوفيد 19) الذي غيَّر ملامح العالم في ظرفٍ وجيزٍ، وألزم دولًا عديدةً في التأقلم مع هذا الظرف اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا بما في ذلك دول القارة الإفريقيَّة، هنيئا لإفريقيا بذكرى التحرّر وهنيئًا للملكة المغربيَّة بإسهامها الكبير على تأسيس الصرح الإفريقي، وكلّ سنة وقارتنا الإفريقية تعيش على وقع جديد.