حار العديد في إعطاء وصف لمصطلح الحبّ وان اتّفق الدارسون على وضع حدّ تعريفي له، يبقى مستخرجًا من القصص والروايات والتجارب الذاتية التي دوّنها التاريخ عبر حقب أزلية عرف فيها الحب مظاهر متنوّعة، وصلت إلى حد الجنون بل إلى حد الموت، ومهما يكن من هذا أو ذاك، فإنّ الظاهرة فطرة إنسانية جُبل عليها الإنسان بمختلف تكويناته وليست خاصةً بكل قُطر على حدة أو مُخصّصةً لفئة دورن غيرها وتكمن سعادتها في المنع كما يروي عنها العديد ممن ذاق تجربتها.
وهي ليست حكرًا لجنس دون آخر ولها مراتب تعلوا بصاحبها مقامات ومقامات وفصل في درجتها العديد من الأدباء والشعراء والكتاب بل أظهروا ألَّا رقابة على الحبّ بل إنّ هناك من اعتبره الموحد الأساس لبني الإنسان قاطبة وفيه يستوي الغني والفقير والحاكم والمحكوم.
وللتراث العربي نماذج يستحيل نكرانها أو إقبارها بدعوى المباح والمكروه، بل إنّ للعرب شواهدَ قبل عصر الإسلام نذكر من أشهرها

1عنترة وعبلة
وهي من القصص الشهيرة بطلها عنترة بن شداد من قبيلة بني عبس وعبلة، هو ذلك الفارس الذي بزّ الأعداء في حرب داحس والغبراء، وأمه كانت جارية، وبعد أن أثبت قدراته في الحروب، ألحق نسبه ببني عبس وأصبح من الأحرار بحسب تقاليد ذلك الزمان.
وقد أحب عنترة ابنة عمه عبلة بنت مالك، ولكن المنال لم يكن سهلًا إلى أن أنجز مهمّة أسطورية في تلبية طلب والدها بجلب النوق العصافير من الملك النعمان، ليكلل الهيام بالمراد، رغم ما قيل إنه خانها فيما بعد.
وقد ذكر عنترة عبلة في أشعاره كثيرًا، ومعلقته الشهيرة، كقوله:
يَا دَارَ عَبْلَةَ بالجِواءِ تَكَلَّمِي
وعَمي صَبَاحًا دَارَ عَبلَة واِسْلَمِي

مجنون لبنى
اسمه قيس بن ذريح الليثي الكناني، عاش في زمن خلفاء الرسول، وقد أحبّ لبنى بنت الحباب الخزاعية، وقد عشقها لأول مرّة يوم أن زار مرابع بني حباب أهل لبنى، فطلب سقي الماء فجاءت له بها، فأغرم من وقتها وقد كانت مديدة القامة، بهية الطلة وعذبة الكلام.
وقد أنشد بعد فراقه لبنى:
فيَا لَيْتَ أَنِّي متّ قَبْلَ فراقِها
وهل تَرْجِعَنْ فَوْتَ القضيةِ ليتُ
ولكن اختلاف قصته أنّه تزوجها بخلاف الآخرين، ثم طلَّقها لأنَّها كانت عاقرًا، وقد فعل ذلك تحت ضغط الأسرة، لا سيَّما والده الذي كان يرى عارًا أن يقطع نسله.
ويروى أنه ذكر لرفاقه: هجرني أبواي اثنتي عشرة سنة، أستأذن عليهما فيرداني، حتى طلقتها.
ومما أنشد في لوم نفسه:
أَتَبكي عَلى لُبنى وَأَنتَ تَرَكتَها
وَأَنتَ عَلَيها بِالمَلا أَنتَ أَقدَرُ
فَإِن تَكُنِ الدُنيا بِلُبنى تَقَلَّبَت
عَلَيَّ فَلِلدُنيا بُطونٌ وَأَظهُرُ
كَأَنّي لَها أُرجوحَةٌ بَينَ أَحبُلٍ
إِذا ذُكرَةٌ مِنها عَلى القَلبِ تَخطُرُ

ومن ثَمَّ ربَّما أنَّه أنكر فعله، فجرى فيه ما جرى، وهو يهيم بالصحاري ينشد الشعر، وقد ساء حاله. وإن كانت قد تزوجت لبنى بعده فقد كان المنال صعبا إلى حين، وكانت – هي – هائمة به لم تنسه، وهذا أغضب زوجها الذي خيّرها بينه وهذا الـ “مجنون”، فاختارت الطلاق وتزوجت من جديد بقيس ولكن بعدها لم يعيشا طويلًا، ماتت هي أوّلًا وهو ثانيًا.

أبو نواس وجنان
جنان عشيقة أبو نواس، وهي تقريبًا الوحيدة التي أخلص لها برغم أنه كان متقلب الهوى، وهنا تختلف القصة عن باقي القصص في أنّ الهيام ليس كذلك الأبدي الذي يُؤدّي إلى الحتف. وقد أنشد فيها الأبيات الشهيرة:
حامِلُ الهَوى تَعِبُ يَستَخِفُّهُ الطَرَبُ
إِن بَكى يُحَقُّ لَهُ لَيسَ ما بِهِ لَعِبُ
تَضحَكينَ لاهِيَةً وَالمُحِبُّ يَنتَحِبُ
تَعجَبينَ مِن سَقَمي صِحَّتي هِيَ العَجَبُ
وقيل إنّه رغم إدمانه الخمر تبعها في رحلة إلى الحج، وهناك أنشد قصيدته المعروفة التي يتبتل بها للخالق ومطلعها:
إلهنُا ما أعدلك مليك كل من ملك
لبيك قد لبيت لك لبيك إن الحمد لك
والملك لا شريك لك والليل لما أن حلك
ويقال إنّ جنان لم تكن تحبه كما أحبّها، ربما لطيشه وخوفها من الغدر، لكن ذلك لم يستمر إذ استطاع أن يغويها بشعره لها، وقيل إن سبب تغير رأيها أنه سمعته ينشد:
جِنانُ إن وجُدتِ يا منايَ بما آمُلُ لم تقطُرِ السماءُ دمًا
وإن تمادى ولا تماديتِ في منعك أصبح بقفرةٍ رِممًا
عَلِقتُ من لو أتى على أنفس الماضينَ والغابرين ما ندمًا
لو نظرت عينه إلى حجرِ ولّد فيه فُتوُرها سقمًا