ليست الحياة في طنجة كما يبدو للكثيرين، فرغم المباني الفاخرة، والمصانع المتعددة والبنى التحتية المتطورة، والمطار الدولي، وكثرة السياح الذين يحلو لهم العيش بالمدينة، والكتب المتحدثة عن سحر طنجة، وكثرة الأغاني التي تصف جمال طنجة؛ فإن الآلاف من المتشردين يعيشون تحت نير الفقر والحرمان، ومعنى الحياة بالنسبة لهم مجرد صراع من أجل البقاء.

لم يكن من السهل أبدًا، إقناع المشردين بالتواصل مع “لاديبيش24” بشأن معاناتهم، فهناك من يعاني الإحباط والكآبة، وآخر اشترط -مثلا- مبلغًا من المال، في حين رفض آخرون الحديث معنا رفضًا قاطعًا لقناعاتهم بأن التعبير عن أوضاعهم لن يغير شيئًا من واقعهم اليومي.

-بؤساء في شوارع المدينة القديمة

رفضت مشردة تنحدر من مدينة سيدي قاسم، الحديث لموقع “لاديبيش24” عن ظروفها لأسباب عائلية، لكن الطفل الذي كان بجانبها قام بذلك، طفل في العاشرة من عمره بحسرة قال إنه رفقة والدته بعد أن طردهم الأب من المنزل، جاءا بحثًا عن ملاذ في مدينة طنجة، بسبب وجود عائلة لهم هنا استقبلتهم مدة 3 أشهر، وبعدها طلبوا منهم الرحيل بسبب عدم القدرة على تحمل مسؤولية إعالتهم، والآن يتجلون بشوارع طنجة المدينة، بحثًا عن الطعام ودار تكفيهم شر الجوع.

-بابا أفريكا كما أحب أن ألقبه يروي حكايته مع التشرد والتسول

كان الرجل ينظر بعيون مستنجدة إلى الناس الخارجين من المسجد الموجودين بساحة 9 أبريل، الذي التقيته أمامه، وهو يصف حياته اليومية بالمتعبة جدًا، ويضيف أقتات يوميًا من التسول والتبرعات، وعند غروب الشمس ألجأ لمأوى المشردين في المدينة، هربًا من الليل القارس.

يزفر “بابا أفريكا” بتنهد عميق، دخان سيجارة رخيصة ويواصل: “أُحمّل الدولة مسؤولية ما أصبحت عليه اليوم، فقوانين حماية العجزة مجحفة”، وختم حديثه بشيء من السخط: “يمر أمامي يوميًا العشرات ببدلاتهم الفاخرة.

-كفاح يومي من أجل البقاء

رغم حياة الشوارع فإن حلم الشاب عيسى هو الحصول على عمل وبيت، في زقاق من أزقة القصبة القديمة، جلس عيسى وحيدًا منتظرًا أمام مخبز صغير بالقرب من باب القصبة، ويداه تحملان كأسًا بلاستيكيًا داخله بعض النقود المعدنية. تحدث عن حاله بصوت لا يكاد يفهم جئت من مدينة قريبة من الدار البيضاء، طمعًا في الهجرة الى أوروبا، وها أنا اليوم متشرد في وطني.

وصرح لموقعنا أنه يبحث في القمامة عن قوارير فارغة، وورق قديم لبيعها. وبالنسبة إلى عيسى، فإن المسؤولية يتقاسمها المشردون والسياسيون على حد السواء، وبالرغم من بؤسه وألمه، فإن الحلم ما زال حيًا فيه ألا وهو الذهاب الى إسبانيا.

وفي مكان شبه مهجور ليس بعيدًا عن الميناء الجديد بالقرب من مدينة القصر الصغير تجتمع مجموعات صغيرة من الأطفال بعضهم كان يشم “السيلسيون” وبعضهم الآخر يدخن السجائر، تبدو على وجوههم ملامح البؤس والتعب رفضوا الحديث إلى الموقع لأسباب مجهولة، لكن وجودهم في هذا المكان هو الرغبة في الهجرة إلى الضفة الأخرى، والكل يعلم هذا المسؤولون قبل المواطنين الذين يمرون يوميًا ويشاهدون هذا المنظر الذي أضحى عاديًا.

-الأسباب وراء ظاهرة “التشرد”

وللحديث عن الموضوع من زاوية سوسيولوجية، يقول السوسيولوجيون: لا أحد في المجتمع… يكترث بحال المشردين، هم مجموعة من الأشخاص تنتقل من مكان لآخر ولهذا السبب فهم لا يثيرون اهتمام أحد، لا المجتمع ولا رجال السياسة.

بل على العكس من ذلك، يعتبرهم المجتمع عبأ على ميزانية الدولة، وهذا ما يفسره غياب سياسة اجتماعية من قبل الدولة، خاصة بالمشردين، فكيف نطالب مَن هم في السلطة بخلق سياسة اجتماعية في الوقت الذي لا يذهب فيه هؤلاء للتصويت في الانتخابات.